لماذا رفض كريستوفر روبن الحقيقي شهرته المرتبطة بـشخصية "ويني الدبدوب"؟

    • Author, فيونا ماكدونالد
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

صدر أول كتاب عن شخصية "ويني الدبدوب (ويني بو)" للكاتب آلان ألكسندر ميلن قبل 100 عام، في أكتوبر/تشرين الأول عام 1926، وأحبته أجيال من الأطفال، بيد أن كريستوفر روبن، نجل الكاتب الذي استُلهمت منه الشخصية، قال لبي بي سي إنه كان يضطر إلى "الابتعاد كلما أثار الناس هذا الموضوع".

"عدني يا بو بأنك لن تنساني أبداً، حتى عندما أبلغ المئة من عمري"، هذه عبارة حزينة يوجهها كريستوفر روبن إلى دبدوبه، ويني الدبدوب، في الفصل الأخير من كتاب "المنزل في ركن بو".

لم يكن الكاتب والروائي والمسرحي البريطاني، آلان ألكسندر ميلن (إيه إيه ميلن)، بحاجة إلى القلق، فقد صدر أول كتاب عن "ويني الدبدوب" قبل مئة عام، في أكتوبر/تشرين الأول عام 1926، وقدم من خلاله مجموعة من الشخصيات التي استلهمها من ابن الكاتب والألعاب التي كان يلعب بها: الدب بو المحبوب، محدود الذكاء، والخنزير الصغير المتوتر، والنمر مفرط النشاط، والحمار المتشائم، وبدلاً من أن يطويها النسيان، اكتسبت تلك الشخصيات، على مدى مئة عام تالية، حياة خاصة تجاوزت بكثير حدود موطنها المثالي، غابة المئة فدان.

وأصبحت هذه الشخصيات، من عام 1966، محور أفلام أنتجتها شركة ديزني، بعضها رسوم متحركة وبعضها يجمع بين التمثيل الحي والوسائط الأخرى، لتصبح السلسلة اليوم واحدة من أنجح الأعمال من حيث الإيرادات على الإطلاق.

بل أثار الدب "بو" جدلاً في بولندا، إذ اعتُبر "غير ملائم"، وألهم فكرة رسم صور ساخرة متداولة على الإنترنت تسخر من الرئيس الصيني، شي جينبينغ، كما ظهرت نظريات فكاهية في الثقافة الشعبية زعمت أن سكان غابة المئة فدان يعانون من حالات نفسية مختلفة.

بيد أن ظروف نشأة شخصية "ويني الدبدوب" والنجاح الذي حققته لاحقاً لم تكن يسيرة على ابن ميلن، الذي ظهر في الكتب بشخصية كريستوفر روبن، ففي مقابلة ضمن برنامج "اسطوانات جزيرة مهجورة" لبي بي سي عام 1976، قال إنه شعر "بحماس وفخر" عند صدور الكتب للمرة الأولى، إلا أن متعة ارتباطه بشخصية ويني الدبدوب بدأت تفقد بريقها مع التقدم في العمر".

وأضاف أنه بدأ يشعر بالاستياء من توظيف والده الأدبي لألعاب الطفولة التي كان يمارسها في غابة أشداون بمقاطعة شرق ساسكس الإنجليزية، والتي شكلت مصدر الإلهام لغابة المئة فدان، وكتب كريستوفر في مذكراته التي تحمل اسم "الأماكن المسحورة"، الصادرة عام 1974: "بدا لي الأمر وكأن أبي قد بلغ المكانة التي وصل إليها بتسلقه على كتفيّ وأنا طفل صغير، وأنه سلبني اسمي الطيب، ولم يترك لي سوى الشهرة الخاوية المتمثلة في كوني ابنه".

وكما يتضح من فيلم "وداعاً كريستوفر روبن" الصادر عام 2017، لم تكن طفولة كريستوفر خالية من الهموم على النحو الذي تصوره كتب ميلن، وقال لبي بي سي عام1971: "كان يُربّى أمثالي في تلك الأيام على أيدي المربيات، والحقيقة أن مربيتي كانت تسيطر على طفولتي بأكملها تقريباً حتى بلغت العاشرة".

وكشف أنه لم يكن يعرف والديه جيداً خلال سنواته الأولى، قائلاً: "كان والداي كلاهما بعيدين عني إلى حد كبير حتى بلغت التاسعة تقريباً، ولم أكن أراهما إلا في أوقات معينة من اليوم"، وادّعى أيضاً أن الكتب لم تكن موجّهة إليه.

وقال: "لم يكن أبي مهتماً بي، بل كان يكتب لنفسه".

خجل وغيرة

استعاد كريستوفر في مذكراته واقعة أخبر فيها أحد الصحفيين والده بأن كتبه "تبدو وكأنها تعبّر عن فهم عميق للأطفال ومحبة لهم"، ورد ميلن قائلاً: "لست مغرماً بالأطفال إلى حد كبير، وبالتأكيد لم أشعر تجاههم بأي عاطفة وجدانية مبالغ فيها".

وفي المقابلة نفسها، عندما سُئل ميلن عن أثر الشهرة التي جعلت ابنه اسماً معروفاً في كل بيت، أجاب ببطء أكبر، معرباً عن أمله في ألا "تكون تلك الشهرة مسببة لأي ضرر".

بيد أن هذا الأمل لم يتحقق تماماً، ففي مذكراته، أوضح كريستوفر قائلاً: "لسوء الحظ، رفضت شخصية كريستوفر روبن الخيالية أن تموت، ولم تكن علاقتها بصاحب الاسم الحقيقي دائماً على أفضل حال"، وعندما كان تلميذاً، كان ارتباطه بالشخصية "موضع ألم بدا وكأنه لن يندمل أبداً"، نتيجة خجله الشديد الذي كان يقوّض قدرته على التصرف بحرية.

وعندما بلغ سن الرشد، وواجه صعوبات في العثور على عمل، زادت الغيرة من تعقيد الأمور، فعلى الرغم من أن والده بدا وكأنه حقق نجاحه بجهوده الخاصة، تساءل كريستوفر: "هل كانت تلك الجهود كلها جهوده وحده؟ ألم أكن أنا جزءاً من هذا النجاح بطريقة ما؟"

كان يتوق بشدة إلى التحرر من أن يُعرف إلى الأبد باسم كريستوفر روبن، وفي عام 2002، أخبر مالك منزل طفولته، الذي تدور فيه أحداث قصص "ويني بو"، بي بي سي، بأنه دعا كريستوفر إلى زيارته قبل بضعة عقود، وقال: "ردّ برسالة غير مستحبة إلى حد ما، ذكر فيها أنه ليس هناك ما يشجعه على عبور عتبة هذا المنزل مرة أخرى".

وعلى الرغم من ذلك، كان كريستوفر، بحلول نهاية حياته، قد تصالح مع أعمال والده، وإن ظل يعاني من وطأة الشهرة التي لم يكن يرغب فيها، وقالت آن ثويت، كاتبة سيرة ميلن، لبي بي سي عام 2002: "لقد تقبّل حقيقة أن والده كان، في الواقع، مخلصاً له ومكرساً اهتمامه به، وأنه لم يكن يدرك ما الذي سيحدث لاحقاً".

وأدرك كريستوفر أن كتب "ويني الدبدوب" ربما كانت وسيلة حاول والده من خلالها ردم الهوة التي فصلت بينهما في سنواته الأولى، وأتاحت له التعبير عن أمور لم يكن قادراً على البوح بها بوسيلة أخرى.

وكتب كريستوفر في مذكراته: "ظل قلب أبي موصداً طوال حياته، كان يشعر بعمق، لكنه كان يكتم مشاعره، أو بالأحرى، بما أنه كاتب، كان يطلق لمشاعره العنان في كتاباته، لكنه كان يحتجب وراء الأقنعة حتى في كتاباته، وهكذا، أُلبست مشاعر الحزن التي كانت موجودة قبعة وأجراساً، وخرجت إلى العالم في هيئة إيور (شخصية الحمار المتشائم)".

وقال كريستوفر إنه توصل إلى النظر إلى "ويني الدبدوب" باعتباره وسيلة وجد بها والده سبيلاً للتواصل معه، وأضاف: "يقول لي الناس أحياناً اليوم: كم كنت محظوظاً لأنك حظيت بأب رائع كهذا، إذ يتصورون أنه، ما دام قد كتب عني بمثل هذا القدر من المودة والتفاهم، فلا بد أنه كان يلعب معي بنفس المودة والتفاهم".

بيد أن كريستوفر كتب: "كان أبي كاتباً مبدعاً، ولذلك، ولأنه لم يكن قادراً على اللعب مع ابنه الصغير، تحديداً، اتجه شوقه إلى البحث عن الإشباع في طريق آخر، ووجده، إذ كتب عنه بدلاً من أن يلعب معه".