تحقيق لبي بي سي يكشف كيفية استغلال متبرّعين بحيواناتهم المنوية نساءً باحثات عن الإنجاب

- Author, غيما دانستان
- Role, بي بي سي ويلز
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
كشفت سيدات تبحثن عن الإنجاب عن تلقّيهن عروضاً عبر الإنترنت بممارسة الجنس أو الحصول على حيوانات منوية بشكل غير قانوني مقابل ثمن زهيد.
وعندما تعجز سيدات عن الحصول على علاج للخصوبة، تلجأن إلى البحث عن بدائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي – حيث ثمة سوق كبيرة لا تخضع لأي ضوابط.
وقد تلجأ سيدات إلى منصّات وصفحات عبر الإنترنت متخصصة في عروض بيع الحيوانات المنوية.
صحفيّو بي بي سي في ويلز استكشفوا الأمر بأنفسهم وبالفعل استطاعوا الحصول على عيّنة لحيوانات منوية في اليوم التالي من طلبها مقابل 100 جنيه استرليني.
وتبيّن أن البائع في هذه الصفقة يعرض حيواناته المنوية عبر الإنترنت قبل أن يرسلها للمشتري داخل طرْد من الكارتون المقوّى المليء بصلصلة الطماطم المجمّدة.
الهيئة الحكومية المنظِمة للإخصاب البشري وعِلم الأجنة في المملكة المتحدة، من جانبها، تحذّر من تعرّض سيدات لاستغلال المتبرعين "الجشعين".
وعندما شرعت غيما دانستان - وهي صحيفة من بي بي سي ويلز - في تقصّي الأمر، وجدتْ كم هو سهل الحصول على حيوانات منوية عبر الإنترنت، فضلاً عن وفرة العارضين لخدماتهم في هذا الميدان.
وإلى ذلك، تقول دانستان إنها شاهدت إعلاناً عن شخص يُدعى "جو دونور" يمكن الاعتماد عليه في تأمين الحصول على حيوانات منوية عبر البريد، بحسب ما يقول الإعلان.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ويبدو أن "جو دونور" متبرّع سخيّ وغزير الإنتاج؛ فهو يدّعي أبوّة 180 طفلاً حول العالم – سواء عبر التلقيح الطبيعي أو الصناعي.
وفي خطوة نادرة، كشف قاضٍ بمحكمة للأسرة في مدينة كارديف عن اسم جو دونور الحقيقي للعَلن وهو "روبرت ألبون"، وذلك في إطار التحذير من مخاطر التعامل مع سوق الحيوانات المنوية الذي لا يخضع للتنظيم.
وباسم مستعار، تواصل صحفيو بي بي سي مع ألبون، ولم يتطلب الأمر أكثر من رسالتين عبر البريد الإلكتروني ومكالمة هاتفية قصيرة من أجل التنسيق للحصول على الحيوانات المنوية في اليوم التالي.
ولم يحاول ألبون أن يتحقق من هويّتنا كما لم يعرض علينا أي فحوصات صحية للاطّلاع عليها.
وحصّل ألبون منّا على 100 جنيه استرليني نقداً، عبر البريد، مقابل حُقنة من السائل المنوي، وصلتْ مبرَّدة داخل طرد من صلصلة الطماطم المجمّدة.
وبعد مرور أربع ساعات من استلام عيّنة السائل المنوي، أخذها الصحفيون إلى عيادة مرخّصة بغرض فحصها، ليتبين لهم أن كل خلايا السائل المنوي ميّتة.
ولدى عرض الأمر على المتبّرع ألبون، سأل بدوره عن الطريقة التي تمّ بها نقل العيّنة وتخزينها، مؤكداً أن الطريقة التي يتبعها في إرسال العيّنات تؤمّن بقاء ما يكفي من الخلايا المنوية حيّة بحيث تنجح عملية الإخصاب.
ويستخدم ألبون، ومئات المتبرعين الآخرين، منصّة فيسبوك للتواصل مع نساء باحثات عن حيوانات منوية. وثمة مجموعات أُنشئت لهذا الغرض على فيسبوك يبلغ عدد أعضائها 40 ألف عضو.
وانضمّت دانستان - صحفيّة البي بي سي - إلى إحدى هذه المجموعات، عبر حساب مفبرك، لتتلقى فور ذلك رسائل بدت صادقة ينطوي كثير منها على عروض بممارسة الجنس أو دفع أموال مقابل الحصول على عيّنات من الحيوانات المنوية أو تقديم صُور في أوضاع حميمية أو عروض مُلحّة من أجل التواصل بهدف التنسيق.

صدر الصورة، Fabulous
وتقول صحفيّة بي بي سي إنّ عدداً من هؤلاء المتبرعين ألحّوا عليها من أجل ممارسة الجنس، محاولين إقناعها بأن تلك هي الطريقة الأرخص والأكثر فعالية للوصول إلى الحمل.
ورصدت دانستان تحذيراً لامرأة تقول إنها تلقّتْ تبرعاً بحيوانات منوية من رجل في شمال ويلز ثم تكشّف لها لاحقاً أنه مدان بجريمة جنسية.
هيئة الإخصاب البشري وعِلم الأجنة، بدورها، عرّفت التبرّع غير المنظّم بأنه "ذلك التبرّع الذي يتم خارج مقرّات مرخصّة من قِبل الهيئة"، مبيّنة أن هذه العملية مجرّمة في المملكة المتحدة.
لجأت تيانا وزوجتها نيكي، من جنوب ويلز، إلى سوق التبرّع بالحيوانات المنوية (التي لا تخضع للتنظيم)، وذلك بعد أن عجزتا عن تأمين تمويل من هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، فضلاً عن دفع تكاليف العلاج الخاص.
تقول تيانا: "لطالما أردتُ أن أكون أُمّاً، نعلم أن هناك شيئاً ناقصاً في أسرتنا"، مضيفة بأنها كانت تعلم بشأن المخاطر والابتزاز الذي يمكن أن تخضع له من جانب المتبرعين المحتملين.
وتوضّح تيانا: "ثمة موقع عبر الإنترنت يمكن من خلاله اختيار لون العينين ولون الشعر، بحيث يمكن تحديد ما تتطلعين إليه".
وكانت تيانا وزوجتها نيكي تتطلعان إلى تلقيح صناعي، لكن المتبرعين حاولوا إقناعهما بأن الجنس الطبيعي يعتبر خياراً أفضل.
وفي ذلك تقول تيانا: "أظن أن اختياري لزوجتي واختيارها لي كفيل وحده بإقناع الآخرين بعدم رغبتنا في إقامة جنس مع ذكور، ومع ذلك، فإن احتياجنا لطفل تركَنا عُرضة للابتزاز".
وأخيراً، عثرت تيانا وزوجتها نيكي على متبرّع شعرتا معه بالأمان، وأبرمتا معه عقداً يوضّح لكل أطرافه ما لهُم وما عليهم – ومع ذلك فهو عقد غير قانوني.
تقول تيانا: "لا تزال هناك فرصة سانحة في المستقبل، بأن يأتي المتبرّع ويحاول الزعم بأن له حقوقاً كوالد ويقاضينا بموجب ذلك".
وتضيف: "لكنني أعتقد أننا قمنا بتأمين أنفسنا قدر المستطاع، ولا أظنّه سيفعل ذلك معنا".
وبالفعل أصبح لـ تيانا وزوجتها نيكي طفل يبلغ من العمر عاماً واحداً.
عن هذا الطفل، تقول تيانا: "طالما رغبنا فيه من زمن. لقد غامرنا ولكن الأمر يستحق المغامرة".

ويعرض المتبرّعون بالحيوانات المنوية، عبر المنصّات التي لا تخضع للتنظيم، خدماتهم بأشكال مختلفة – بدءاً من أشخاص يعرضون ممارسة الجنس بدون مقابل، وصولاً لآخرين يطالبون بنفقات تكفي للسفر حول العالم في مقابل الحصول على سائلهم المنوي لعمل تلقيح اصطناعي.
دانيال بايين، أمريكي يبلغ من العمر 25 عاماً، سافر إلى المملكة المتحدة في صيف 2025 للتبرع بسائله المنوي من أجل استخدامه في تلقيح اصطناعي – في رحلة أثمرت عن أربعة أطفال على حدّ زعمه.
وقضت بي بي سي ثلاثة أيام في التصوير مع دانيال، الذي يزعم في مقاطع فيديو عبر الإنترنت، بأنه الأعلى أجراً بين المتبرعين بالسائل المنوي، وبأنه لا يهدف إلى الربح من خلال عمله هذا!
ويوضّح دانيال بأن "المتلقّيات لتبرّعاته يساعدنه في تأمين نفقاته الصحية والمعيشية بالإضافة إلى نفقات السفر".
ويقول دانيال إنه لا يطلب من المتلقيات في المملكة المتحدة سوى سداد نفقات سفره، لكنه في البلاد الأخرى يطلب مبلغاً يناهز 20 ألف دولار مقابل التبرّع الواحد.
وعندما اتهمه صحفيو بي بي سي باستغلال السيدات القادرات على الدفع، أجاب دانيال بأنه "لا يكترث بالطريقة التي ينظر إليه الناس بها، وإنما يهتم فقط بالأطفال وبالعائلات التي يعمل معها".
ويصف دانيال نفسه بأنه "متبرع يفتح بابه للجميع" معرباً عن سعادته بأن يعرف الأطفال هويّته.
ويقوم دانيال بمشاركة مقاطع فيديو عن نمَط حياته وعن نتائج فحوصاته الطبية، لكنه رغم ذلك لا يكشف عن كل شيء.
يقول دانيال: "لدواعٍ أمنية، لا ينبغي على المتبرع أن يكشف عن تفاصيل كثيرة عن نفسه، بما يمكن أن يمثّل ثغرة لأي شخص يسعى إلى تدمير حياته وحياة عائلته".
ويستدرك بالقول: "بالطبع، لا أعتقد أنه ينبغي الكذب بشأن الفحوصات الصحية، لا سيما في ما يتعلق بالأمراض المنقولة جنسياً. إنما أنا هنا أتحدث عن تلك المعلومات الخاصة بعملك وبمحلّ إقامتك وباسمك الكامل – وتلك الأشياء التي تسهّل على الآخرين مقاضاتك".
ويرى دانيال أنه لم يخالف القانون بتبرّعه بحيواناته المنوية في المملكة المتحدة.

صدر الصورة، Daniel Bayen
تختص هيئة الإخصاب البشري وعِلم الأجنة في المملكة المتحدة بتنظيم أعمال العيادات المرخّصة، وقد أطلقتْ صفحة عبر موقعها الإلكتروني تتيح لمَن يهمّه الأمر معرفة المزيد عن القانون.
وتقول الهيئة إنها دلّت الشرطة على العديد من المتبرعين بغزارة ممن لا يعملون ضمن القواعد المنظمة.
وتؤكد الهيئة أنه "من المهمّ معرفة أن التعامل مع متبرّع غير خاضع للقواعد المنظمة لا يُعدّ جريمة، كما لا يعدّ انتهاكاً للقانون، أمّا المتبرعون وغيرهم من المنخرطين في عملية توفير الحيوانات المنوية فيُشتبه في ارتكابهم جريمة خطيرة".
وبموجب قانون هيئة الإخصاب البشري وعِلم الأجنة، فإن "استخدام، وتخزين، وجلب، واختبار، ومعالجة، وتوزيع حيوانات منوية أو بويضات" بهدف استخدامها من جانب بَشَر – يُعدّ عملاً مخالفاً للقانون ما لم يتم ذلك عبر عيادة مرخصة من قِبل هيئة الإخصاب البشري وعِلم الأجنّة.
كلير إتينغوسن، مديرة الشؤون الاستراتيجية والمؤسسية لدى هيئة الإخصاب وعِلم الأجنة في المملكة المتحدة، تقول إن عيّنة الحيوانات المنوية المستلَمة من ألبون كانت "صادمة".
وتضيف إتينغوسن: "القانون واضح تمام الوضوح بأنه في عدم وجود ترخيص من هيئة الإخصاب وعِلم الأجنة لا يمكن معالجة الحيوانات المنوية ولا توزيعها – وهو بالضبط ما فعله ألبون".
ردّاً على ذلك، قال ألبون إن هذه اللوائح لا تنطبق على حالته؛ ذلك أنه يعتبر أن تقديم مِنَح خاصة، بما في ذلك تقاضي أموال في مقابلها، هو تصرّف قانوني.
كما نفى ألبون أنْ يكون مُشكّلاً لـ "خطر مباشر" على أي امرأة.
إتينغوسن من هيئة الإخصاب وعِلم الأجنة، أشارت كذلك إلى دور تقوم به شركة ميتا، المالكة لمنصّة فيسبوك – بتيسير أعمال تمثّل خرقاً للقانون، في نقطة أثارتها إتينغوسن أمام البرلمان البريطاني في مارس/آذار الماضي.
ونبّهت إتينغوسن إلى أن "إطلاق التحذيرات الصحية وتقديم بدائل آمنة لا يكفي لحل المشكلة بشكل تام، ولكنه يساعد في حلّها".
من جانبها، ردّت شركة ميتا بأنها ستعكف على فحص المجموعات على منصة فيسبوك وما تشاركه تلك المجموعات من منشورات بهدف إزالة المحتوى المخالف للقواعد".
وأكدت الشركة الأُمّ لفيسبوك أنها "تتعاون عن كثَب مع السلطات المعنيّة".
مجلس قيادات الشرطة الوطني في المملكة المتحدة، بدوره، أكّد أن "التبرّع بالحيوانات المنوية دون خضوع للقواعد المنظّمة يحمل مخاطر عديدة ويمكن أن يترك فئات من النساء عُرضة للخطر".
وناشد المجلس الجمهور بأن يتعرّف على طبيعة المخاطر ويلتزم بالمسارات الآمنة الخاضعة لتنظيم الجهات المختصة، قائلاً: "كل مَن كانت لديه مخاوف، فإننا نشجّعه على إحالة الأمر للشرطة حتى يتسنّى لنا تقديم الدعم وعمَل اللازم".































