يوم رفض محمد علي حرب فيتنام وجُرّد من لقبه العالمي

صدر الصورة، Getty Images
- Author, محمد همدر
- Role, بي بي سي عربي - بيروت
- مدة القراءة: 6 دقائق
تجمّع المراسلون والمصورون وكل من تملّكه الفضول منذ الصباح الباكر أمام مركز للتجنيد الإلزامي تابع للجيش الأمريكي في مدينة هيوستن بولاية تكساس.
إنها الثامنة صباحاً، منذ قليل ترجّل بطل العالم للملاكمة محمد علي من سيارة أجرة وتقدّم وسط الحشد ودخل إلى القاعة الداخلية في المركز.
الحدث كان استثنائياً في مركز التجنيد بعد صدور أمر استدعاء رسمي يدعو نجم الملاكمة في الولايات المتحدة، للالتحاق بصفوف الجيش.
كان ذلك في 28 أبريل/نيسان 1967، وهو اليوم الذي من المفترض أن يدخل فيه محمد علي كلاي مركز التجنيد للانضمام إلى الجيش ومن ثمّ الذهاب للمشاركة في حرب فيتنام. لكن كلاي دخل إلى المركز وخرج منه رافضاً الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، لتشكّل هذه اللحظة نقطة تحوّل في مسيرته وفي حياة كثيرين من مناهضي حرب فيتنام في الولايات المتحدة.
كان ينبغي لمحمد علي الاختيار بين دخول السجن أو الذهاب إلى الحرب، وكادت مسيرته أن تتوقف باكراً وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وكان قد أحرز لقبه الأول كبطل العالم للوزن الثقيل عام 1964 في سن الثانية والعشرين ليصبح أصغر ملاكم في السن يحرز هذا اللقب في ذلك الوقت.
ولم تكن شهرة محمد علي حينها تقتصر على إحرازه الألقاب أو أسلوبه في الملاكمة، بل كانت شخصيته وطريقة تحديه لخصومه تثيران الجدل، بالإضافة إلى اعتناقه الإسلام والترويج لمعتقده بقوة في زمن كانت تشهد فيه الولايات المتحدة ممارسات عنصرية على أساس عرقي، وكان محمد علي أحد الناشطين المناهضين للعنصرية.
لكن ما هي قصة المبارزة الأهم التي خاضها محمد علي خارج حلبة الملاكمة؟

صدر الصورة، Getty Images
اندلعت حرب فيتنام في منتصف الخمسينيات. وفي الستينيات، أرسلت الولايات المتحدة قواتها للقتال في فيتنام، وفرضت، بدءاً من عام 1964، التجنيد الإجباري لتعزيز صفوف الجيش، مع اعتبار التخلف عن الاستدعاء جريمة يعاقب عليها القانون.
في منتصف الستينيات، تصاعد الجدل حول الحرب، وتزايدت الاحتجاجات الرافضة للتجنيد، وكان بعض الشبان يلجأون إلى كندا هرباً أو إلى دفع الكفالة المالية الباهظة بعد تلقيهم أوامر الاستدعاء. وشهدت الاحتجاجات تمزيق بطاقات التجنيد، بحسب ما ذكرت صحيفة واشنطن بوست عن تلك المرحلة.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها محمد علي علناً عن معارضته للحرب والقتال في فيتنام.
لكن الأمر اختلف عند تلقيه استدعاءً رسمياً للحضورفي 28 أبريل/نيسان وإتمام إجراءات تجنيده في مركز تابع لنظام الخدمة الإلزامية في هيوستن. وعادة ما كان يُنقل المجندون بعد ذلك إلى مراكز تدريب تمهيداً لإرسالهم إلى ساحات القتال.
أثناء دخوله إلى القاعة، اقترب منه أحد المراسلين وسأله عن موقفه، فردّ قائلاً: "لا تعليق".
دخل محمد علي إلى القاعة، وبعد قليل سمع ضابطاً ينادي اسم "كاسيوس كلاي" وهو الاسم الذي كان يعرف به قبل ثلاث سنوات عندما اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى محمد علي.
لم يتحرك من مكانه عند سماع اسم "كاسيوس"، وفق ما روت صحيفة واشنطن بوست.
ونقلت الصحيفة عن مذكرات محمد علي أن أحد الضباط اصطحبه من بين الحشد إلى مكتب صغير، وسأله على انفراد إن كان يدرك خطورة ما يفعله، فأكد له الملاكم الشاب ذلك.
عاد محمد علي إلى الحشد، ونادى الضابط باسم "كاسيوس كلاي" مجدداً، لكنه لم يتحرك.
وبعد قليل، خرج من القاعة، وصرّح لاحقاً في اجتماع لـ"جماعة أمة الإسلام" وأمام الصحافة:
"في ضوء ما يمليه عليّ ضميري كداعية مسلم، ووفقاً لقناعاتي الشخصية، أرفض الاستجابة لاستدعاء التجنيد".
وأضاف: "لن أكون صادقاً مع معتقداتي الدينية إذا قبلت استدعاءً كهذا".
وكان محمد علي يطلق على نفسه لقب "داعية مسلم" بعد اعتناقه الإسلام وانضمامه إلى حركة أمة الإسلام، بقيادة إلايجا محمد، بوصفه متحدثاً ناشطاً يروّج لمبادئها.
شرح محمد علي وجهة نظره في رفض التجنيد الإجباري في لقاءات إعلامية وسياسية قبل وبعد استدعائه رسمياً للتجنيد.
فعند إدراج اسمه على لائحة التجنيد في الأول من أبريل/نيسان، خرج محمد علي في مؤتمر صحافي في لويزيانا مصعّداً في مواقفه قائلاً: "لن أقطع 10,000 ميل بعيداً عن وطني للمساعدة في قتل وحرق أمة فقيرة أخرى، لمجرد استمرار هيمنة البيض على الشعوب ذات البشرة الداكنة في جميع أنحاء العالم".
وأضاف: "عدو شعبي الحقيقي هو هنا (في الولايات المتحدة)". "ليس لديّ ما أخسره بالوقوف دفاعاً عن معتقداتي. إذا سأدخل إلى السجن. ليس هذا بالجديد. لقد كنا في السجن 400 عام".
وحظي موقف محمد علي بتأييد من جمهور واسع يرفض الذهاب إلى الحرب، كما أيّد داعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ خيار محمد علي علناً في مؤتمر صحفي.
وحاول مرة أخيرة مع محاميه عبر المحكمة الفدرالية لتجنب التجنيد في الجيش. وخرج من قاعة المحكمة قبل يوم واحد على توجهه إلى مركز الخدمة الإلزامية دون تحقيق أي نتيجة إيجابية.
وعند توجه محمد علي في صباح ذلك اليوم إلى مركز التجنيد في هيوستن، كان الجميع يتوقع رد فعله.
قال محمد علي مدافعاً عن موقفه: "قالوا لي إما أن تذهب إلى الحرب أو تدخل إلى السجن، وأنا أقول هناك بديل ثالث وهو العدالة".

صدر الصورة، Youtube
في وقت متأخر من ذلك اليوم الذي أعلن فيه محمد علي رفضه الالتحاق بالجيش، أُسقط عنه لقب بطولة العالم للوزن الثقيل من قبل هيئات الملاكمة في الولايات المتحدة، كما مُنع من خوض النزالات.
وبعد أيام قليلة، في الرابع من يونيو/حزيران، عُقد مؤتمر في كليفلاند شارك فيه عدد من الرياضيين السود، دعماً لموقفه الرافض للحرب في فيتنام.
وفي 20 يونيو/حزيران 1967، أُدين محمد علي بتهمة التهرب من الخدمة العسكرية، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات وغرامة قدرها 10 آلاف دولار، غير أن الحكم لم يُنفّذ، إذ تم تعليق العقوبة بانتظار نظر الاستئناف.
وخلال السنوات التالية، دخل محمد علي في معركة قانونية طويلة للطعن في الحكم وإلغاء قرار منعه من الملاكمة. وفي الوقت نفسه، تحوّل إلى أحد أبرز الأصوات المعارضة لحرب فيتنام في الولايات المتحدة، مشاركًا في الفعاليات الطلابية والندوات العامة ومؤكدًا مواقفه في لقاءاته الإعلامية.
وبفضل جهود فريقه القانوني، حصل على قرار يسمح له بالبقاء خارج السجن بكفالة مالية، واستمرت إجراءات الاستئناف حتى عام 1971، حين أبطلت المحكمة العليا الأمريكية إدانته نهائياً في قضية التجنيد.
وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 1970، عاد محمد علي إلى الحلبة في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا بعد غياب دام أكثر من ثلاث سنوات.
لاحقًا، في 1974، استعاد لقبه العالمي في نزال تاريخي أمام جورج فورمان في كينشاسا، عاصمة زائير آنذاك (جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليا)، فيما خسر اللقب لاحقاً قبل أن يعود ويستعيده مجدداً عام 1978.
وتوفي محمد علي في 3 يونيو/حزيران 2016 بعد صراع طويل مع مرض باركنسون.

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، Getty Images




























