"سياحة القنص" في سراييفو: وثائق جديدة عن "تنافس لقتل النساء"

    • Author, محمد همدر
    • Role, بي بي سي عربي - بيروت
  • Published
  • مدة القراءة: 9 دقائق

يقدم صحفي استقصائي كرواتي في كتاب جديد، تفاصيل بشعة عن "سياحة القنص" أو "رحلات صيد البشر" التي يعتقد أنها حدثت خلال حرب البوسنة في التسعينيات، والتي تحقق السلطات الإيطالية حالياً في حقيقة حدوثها.

يأتي ذلك بعد فيلم وثائقي صدر عام 2022، بعنوان "رحلة سفاري سراييفو" تضمن مقابلات مع أفراد زعموا أنّ أثرياء أجانب من دول مختلفة - بما في ذلك إيطاليا وروسيا والولايات المتحدة وكندا وألمانيا وغيرها - دفعوا مبالغ طائلة للقناصة الصرب كي يشاركوا في قنص المدنيين من التلال المحيطة بمدينة سراييفو البوسنية أثناء حصارها.

حدث ذلك إلى جانب المجازر وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي وثّقت رسمياً خلال سنوات هذه الحرب، وأدت إلى إدانة ومحاكمة مسؤولين عسكريين وسياسيين شاركوا في تلك الأحداث.

وكان "شارع القنّاصة" في سراييفو أحد معالم الحرب الشهيرة، وموقعاً مفضلاً للمراسلين والمصورين الصحفيين.

لكنّ مزاعم تنظيم رحلات قنص وقتل قام بها أثرياء أجانب تعني مشاركة أشخاص آخرين في المسؤولية عن إراقة الدماء في هذه الحرب، لمجرد القتل، من دون دوافع سياسية أو عسكرية، ومقابل دفع المال، وفق ما ذكرت تقارير صحفية.

وقد باشرت إيطاليا أواخر العام الماضي بالتحقيق في تقارير حول أثرياء إيطاليين ذهبوا إلى سراييفو للمشاركة في رحلات القتل بعدما تقدم الصحفي والكاتب الإيطالي إيزيو غافاتزيني بشكوى رسمية إثر إجرائه أبحاثاً وجمعه أدلّة بعد مشاهدته لفيلم "رحلة سفاري سراييفو".

مما استدعى مكتب المدعي العام في ميلانو فتح تحقيق رسمي في الادعاءات.

أمّا جديد هذه الوثائق، فهو كتاب بعنوان "ادفع واقتل" للصحفي الاستقصائي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش، يكشف فيه عن مزاعم حول تنافس القناصين الأجانب في ما بينهم لقتل النساء الصرب، "الجميلات والحوامل".

ينقل مارغيتيش في كتابه أيضاً، شهادات حول مشاركة شخصية من عائلة ملكية أوروبية في تلك الأعمال.

وكان مارغيتيش قد اتهم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الرئيس الصربي الحالي أيضاً، ألكسندر فوتشيتش، بتورّطه في ملف سياحة القناصين الأجانب في سراييفو، لكنّ الأخير نفى في بيان رسمي ادعاءات الصحفي.

كيف بدأت القصة؟

يقول الصحفي دوماغوج مارغيتيش في كتابه "ادفع واقتل" الذي صدر مؤخراً، إنّ القصة بدأت من كرواتيا وليس من البوسنة، وتحديداً في صيف عام 1992، خلال زيارة مجموعة من الأثرياء الإيطاليين إلى كرواتيا لممارسة الصيد البري.

ويزعم مارغيتيش أنّ رحلات الصيد هذه كانت تتم بعلم وتنسيق من جهاز المخابرات الكرواتي وأنّ الصيادين كانوا من الأجانب الأثرياء.

في ذلك الوقت، بدأ حصار سراييفو مع اندلاع حرب البوسنة والهرسك.

ورغم الاشتباكات التي بدأت عام 1991 بين القوات الكرواتية والقوات الصربية، إلا أنّ التعاون بين أجهزة استخبارات الطرفين لم يتوقف. إذ كانت القنوات المفتوحة ضرورية لتهريب النفط والسجائر والبنّ، ولتبادل السجناء، بحسب ما قاله الكاتب في مقابلة مع صحيفة التايمز البريطانية.

يضيف مارغيتيش أنّ في تلك الزيارة، سأل أحد الأثرياء الإيطاليين، العضو السابق في جهاز الاستخبارات اليوغوسلافية في كرواتيا، زفونكو هورفاتينشيك، الذي كان يرافقهم في رحلة الصيد عام 1992، إن كان بإمكانهم الذهاب إلى سراييفو.

ويشير في كتابه، إلى أنه بعد هذا الاقتراح، نشأ تعاون استخباراتي جديد بين الصرب الكروات، لنقل أجانب من روسيا وإسبانيا والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، إلى سراييفو، في رحلات يدفع فيها هؤلاء مالاً ليمارسوا القتل، لا لأسباب سياسية أو عقائدية، بل لأجل المتعة فقط، بحسب الكاتب.

رافق الأثرياء الأجانب المقاتلين الصرب إلى مواقع القنص المطلّة على مدينة سراييفو البوسنية المحاصرة بين عامي 1992 و1995، ولم توفر بنادقهم – وفق ما جاء في التقارير والشهادات المنشورة - لا الأطفال ولا النساء.

ويشير الكاتب إلى أنهم كانوا يلبسون خلال رحلاتهم هذه، ملابس نصف عسكرية، ودروعاً واقية من الرصاص ويضعون خوذات على رؤوسهم.

حقائق لم تدفن مع الضحايا

ما ارتكب خلال تلك الحرب من فظائع لم يدفن مع الضحايا، وتولت محكمة العدل الجنائية الدولية في لاهاي، التحقيقات حول جرائم الحرب في البوسنة والهرسك من عام 1993 حتى 2017.

وفي 2007، قدّم جندي أمريكي سابق في قوات مشاة البحرية، جون جوردان شهادته عن حرب البوسنة أمام المحكمة في لاهاي. وكانت تلك أولى الشهادات العلنية الموثّقة رسمياً حول انخراط أجانب في الحرب.

كان جوردان يعمل متطوعاً في مكافحة الحرائق حينها، وقال خلال شهادته إنه رأى بعينيه أشخاصاً أدرك أنهم ليسوا من السكان المحليين، يتنقلون مع مقاتلين صرب في مواقع القتال. لكنه لم يشاهد أيّاً منهم يطلق النار.

وفي الفيلم الوثائقي "سراييفو سفاري" عام 2022، أكّد رجل صربي حدوث تلك الرحلات بعد أن شارك في تنسيقها، وشهد على أعمال القنص التي قام بها سياح أجانب أثرياء، وروى تفاصيل ما شاهده وعاشه تلك الفترة للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش.

يقول الشاهد الرئيسي في الفيلم الوثائقي، إنّ "السياح" كانوا يدفعون مبلغاً أكبر عندما كان الأمر يتعلق بقتل الأطفال. وقال إنّ الأمر بدا وكأنّ أحدهم أصابه ضجر من قتل الحيوانات، فجاء إلى سراييفو ليجرب شيئاً آخر - صيد البشر.

ويتضمّن العمل الوثائقي شهادات ضحايا وناجين أيضاً، من بينها قصة الأب سمير شيزيتش وزوجته شتانا اللذين فقدا ابنتهما البالغة من العمر سنة وأربعة أيام، برصاصة مفاجئة من قناص، خلال يوم هادئ لم يتخلله أي اشتباك بحسب روايتهما.

وكانت التحقيقات في محكمة العدل الجنائية الدولية أكدت أنّ معظم أعمال القنص التي استهدفت مدنيين في تلك الحرب، تمت خارج أوقات الاشتباكات والقصف.

في عام 2025، وبعد ملاحقة الصحفي الإيطالي إيزيو غافاتزيني ملف سياحة القنص في سراييفو، قدّم ملفاً من 17 صفحة، تضمن وثائق جديدة وشهادات للادعاء العام الإيطالي في ميلانو، لبدء تحقيق حول مشاركة مواطنين إيطاليين وآخرين أوروبيين في تلك الرحلات.

قال كافازيني إنه قرأ عن رحلات القنص في سراييفو للمرة أولى في صحيفة كورييري ديلا سييرا الإيطالية منذ ثلاثة عقود، التي روت الأحداث دون تقديم أدلة.

وبعد صدور الفيلم الوثائقي "سراييفو سفاري"، حاز الملف على اهتمام الصحفي الإيطالي المتخصص بشؤون الأمن والإرهاب والمافيا الإيطالية من جديد. وتضمّن تحقيقه شهادة مع ضابط سابق في جهاز الاستخبارات العسكرية البوسنية، وتقريراً لعمدة سراييفو السابقة بنيامينا كاريش، توقّف أو وصل إلى طريق مسدود.

وزعم الصحفي الإيطالي أنّ المبالغ التي دفعت من قبل الأثرياء الإيطاليين بلغت ما يعادل مئة ألف يورو في ذلك الوقت.

وعلى إثر هذه التقارير، تحدثت بي بي سي العام الماضي إلى عسكريين بريطانيين متقاعدين خدموا في البوسنة خلال سنوات الحرب، إلا أنهم نفوا أن يكونوا قد سمعوا بتلك الرحلات.

وقالوا إنّ انتشار الحواجز في تلك الفترة يجعل من "الصعب لوجستياً" إحضار أشخاص من دولة ثالثة للقيام برحلات قنص.

ووصف أحدهم هذه المزاعم بأنها مجرد "خرافات شعبية".

وعلى الرغم من تكرر مزاعم مماثلة حول "صيادي البشر" الأجانب عدة مرات على مر السنين، إلا أنّ المدعي العام في الآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين لإتمام المهام العالقة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في لاهاي، صرّح لبي بي سي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بأنّ منظمته لا تملك أي معلومات حول هذه المزاعم.

وتلقى مدعي جرائم الحرب في البوسنة شكوى في هذا الشأن عام 2022، لكنه لم يُصدر أي لائحة اتهام.

منافسة على القتل

تابع الصحفي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش التحقيقات حول مزاعم رحلات القنص السياحية، وأجرى في كتابه الجديد "ادفع واقتل"، المزيد من المقابلات مع شهود عن تلك المرحلة، من بينهم عناصر من الاستخبارات الكرواتية والبوسنية.

وزعم أنّه حصل على وثائق كانت بحوزة ضابط استخبارات بوسني سابق يدعى نيدزاد أوغليان، اغتيل في سبتمبر/أيلول 1996، بعد أشهر على انتهاء الحرب.

ويقول إنّ تلك الوثائق تذكر أنّ الأثرياء الأجانب دفعوا 80 ألف مارك ألماني حينذاك، لقتل النساء والرجال في متوسط العمر. ورفعوا الثمن إلى 95 ألف مارك مقابل قتل الشابات وإلى 110 آلاف مارك مقابل قتل النساء الحوامل.

وقال مارغيتيش لصحيفة التايمز، إنه قابل في كتابه عناصرَ من "الميليشيات البوسنية – الصربية" الذين استضافوا القناصين الأجانب.

وأضاف أنّ ندزاد أوغليان، العنصر السابق في المخابرات البوسنية كتب في وثائقه أنّ القناصين الأجانب، كانوا يتنافسون في ما بينهم لقتل المرأة الأجمل.

مزاعم عن تورّط فرد من عائلة ملكية واتهامات للرئيس الصربي

ونقل مارغيتيش في كتابه شهادة رئيس وزراء كرواتيا السابق جوزب مانوليش – توفي عام 2024 – أنّ القناصين الأجانب كانوا يصلون بحراً إلى موانئ زادار وسبليت الكرواتية، ومن هناك يتم مرافقتهم إلى مدينة كنين التي كانت تحت إدارة الصرب، ويواصلون رحلتهم برفقة الصرب إلى سراييفو.

وأضاف أنّ مانوليتش أخبره أنّه كان يتلقى أيضاً تقارير عن اجتماع الأجانب في فندق بمدينة ياستريبَارسكو قرب زغرب قبل توجههم إلى سراييفو. وأنّ الطريق عبر كرواتيا كان يُستخدم إلى جانب الطريق المؤدي إلى البوسنة عبر بلغراد، بحسب الكاتب.

وقال مارغيتيش لصحيفة التايمز نقلاً عن "عدد من الأشخاص الذين كانوا يرافقون الأجانب"، إنّ شخصاً ينتمي إلى عائلة ملكية أوروبية، كان يأتي بطائرة مروحية ويقيم في فوغوسكا قرب سراييفو، وكان "يريد إطلاق النار على الأطفال".

واتهم مارغيتيش في كتابه، الرئيس الصربي الحالي ألكسندر فوتشيتش بالمشاركة في مرافقة أجانب في رحلات القنص ضد مدنيين بوسنيين، لكن الأخير نفى مزاعم تورطّه في أي من تلك الأعمال خلال الحرب.

وقال خلال كلمة في مؤتمر بأنه "لم يقتل أو يجرح أحداً قط، ولم يرتكب أي فعل مماثل". وأضاف أنه "لم يحمل بندقية قنص في حياته".

وأوضح أنّ الصور التي يُزعم أنها تُظهره حاملاً سلاحاً من هذا النوع تُظهره في الواقع وهو يحمل "حامل كاميرا ثلاثي القوائم". واعتبر أنّ هدف مارغيتيش هو تشويه صورته.

وقال الشاهد الصربي في الفيلم الوثائقي "سراييفو سفاري"، إنّه كان "واضحاً بالنسبة له" أنّ هؤلاء الأجانب القادمين لممارسة سياحة القتل، يعملون في مناصب رفيعة قد تمنحهم حصانة، فضلاً عن كونهم أثرياء، بحسب قوله.

مقتل شاهد رئيسي

إلى جانب الشهادات والمقابلات، يستند كتاب الصحفي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش إلى وثائق قديمة قال إنه حصل عليها من ندزاد أوغليان، عنصر سابق في المخابرات البوسنية، والنائب السابق لمدير ما يعرف بوكالة "التحقيق والتوثيق" في البوسنة.

في 28 سبتمبر/أيلول 1996، قُتل أوغليان رمياً بالرصاص في أحد شوارع سراييفو.

روت صحيفة نيويورك تايمز، بعد مقتله بثلاثة أسابيع، أنّ القاتل أطلق رصاصة أولى أصابت الدرع الواقي الذي كان أوغليان يرتديه، لكنها كانت كافية لتسقطه أرضاً. فتقدم منه شخص وأطلق رصاصة ثانية قتلته.

وأشارت الصحيفة الأمريكية آنذاك، إلى أنّ اغتيال أوغليان حاز على اهتمام أجهزة استخبارات من مختلف أنحاء العالم، ووصفت سراييفو بأنها ساحة صراع على النفوذ بين دول عديدة من بينها الولايات المتحدة وإيطاليا وكرواتيا وحتى إيران.

وأفادت بأنّ أوغليان البالغ من العمر 44 عاماً، عمل سابقاً في جهاز أمن يوغوسلافيا، وترقى خلال الحرب في جهاز الاستخبارات البوسنية، وأنّه كان من بين الشخصيات التي بنت نفوذها وقوتها في فوضى الحرب.

وسردت الصحيفة عدة نظريات نقلاً عن ضباط وشخصيات محلية وأجنبية تحدثت إليها في سراييفو عن مقتل أوغليان، دون الكشف عن أي دليل.

ولا تزال هوية قاتل أوغليان أو الجهة التي تقف خلف اغتياله مجهولة حتى اليوم.

تحوّل "شارع القناصة" في سراييفو ومعالم أخرى مثل الأبنية ذات الثقوب نتيجة الرصاص والقذائف، وما كان يعرف بـ"نفق الأمل" - الشريان الرئيسي لإمداد سكان سراييفو خلال الحصار - إلى مواقع تخلّد ذكرى مأساة الحرب.

بدأت حرب البوسنة والهرسك عام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإجراء استفتاء على تقسيم يوغوسلافيا، واستمرت حتى نهاية عام 1995.

أخذت الحرب أبعاداً عرقية وطائفية وشارك فيها مسلمو البوسنة والصّرب والقوات الكرواتية.

شهدت الحرب مجزرة سربرنيتسا التي راح ضحيتها نحو 8,000 مسلم من البوسنة بعد اجتياحها على يد الصرب.

وتشير الأرقام إلى مقتل واختفاء أكثر من 100 ألف شخص خلال الحرب. وإلى مقتل أكثر من 11,500 شخص في سراييفو وحدها خلال الحصار.