سيارتك تتجسس عليك، وهذه مجرد البداية

صدر الصورة، Getty Images
- Author, توماس جيرمان
- Published
- مدة القراءة: 8 دقائق
من وزنك وتعابير وجهك إلى وجهتك اليومية، تجمع السيارات الحديثة كماً هائلاً من البيانات عنك، وقد يمتد تأثير ذلك حتى إلى رفع كلفة التأمين الخاصة بك، لكن، رغم ذلك، لا تزال هناك بعض الخطوات البسيطة التي يمكن أن تحدّ من حجم المعلومات التي تعرفها هذه السيارات عنك.
كانت السيارة في الماضي رمزاً للحرية والاستقلال، أتذكر حين حصلت للمرة الأولى على مفاتيح سيارة العائلة القديمة من نوع تويوتا، شعرت وقتها أنني دخلت مرحلة جديدة من حياتي، مرحلة أستطيع فيها الابتعاد عن رقابة الأهل واتخاذ قراراتي بنفسي، وأن أصبح مسؤولاً عن وقتي وتحركاتي، لكن هذا المعنى تغير كثيراً اليوم.
فالسيارات الحديثة أصبحت أشبه بحواسيب تسير على عجلات، والشركات العملاقة تستخدمها لامتصاص تفاصيل حميمة عن حياتك بهدف تحقيق المزيد من الأرباح، وإذا كنت تظن أن القيادة اليوم تمنحك فرصة للعزلة والاستقلالية، فعليك أن تعيد التفكير، ويبدو أن الأمر سيتفاقم أكثر في المستقبل.
وتعترف شركات السيارات نفسها بذلك إذا تعمقت في قراءة سياسات الخصوصية الخاصة بها، فالمعلومات التي تجمعها قد تشمل بيانات دقيقة عن جميع الأماكن التي تذهب إليها، ومن يوجد معك داخل السيارة، وما الذي تستمع إليه عبر الراديو، وما إذا كنت تضع حزام الأمان، أو تقود بسرعة زائدة، أو تضغط على المكابح بعنف.
وبعض السيارات يمكنها جمع تفاصيل قد لا تتوقعها، مثل وزنك وعمرك وعرقك وتعابير وجهك، هل تنظف أنفك أثناء القيادة؟ بعض السيارات تحتوي على كاميرات داخلية موجهة نحو مقعد السائق، ومعظمها مزود باتصال بالإنترنت يتيح إرسال تلك البيانات بينما تقود وأنت لا تعلم شيئاً عن ذلك.
وهذه مشكلة تتعلق بالخصوصية وقد تكلفك المال أيضاً، فمن بين أكبر الجهات التي تشتري بيانات السيارات شركات التأمين، التي تستخدمها لفرض أسعار أعلى على بعض الأشخاص، لكن لا أحد يعرف بدقة إلى أين تذهب معلوماتك.
بعض شركات السيارات تعترف بأنها تبيع بياناتك، لكنها غير ملزمة بالكشف عمّن يشتريها، هذا فضلاً عن أن الأمر قد يبدو مقلقاً أو مخيفاً للبعض، ويقول خبراء إن معظم المستهلكين لا يدركون أصلاً أن هذا يحدث.
يقول داريل ويست، وهو زميل بارز في مركز ابتكار التكنولوجيا التابع لمعهد بروكينغز في واشنطن: "سيُصدم الناس من عدد نقاط البيانات التي تجمعها سياراتهم وتنقلها إلى جهات أخرى، سواء إلى الشركة المصنعة أو إلى تطبيقات خارجية".
وأضاف: "هذا يعني عملياً أن حياتك يمكن إعادة بنائها تقريباً ثانية بثانية".
هل بدأت تشعر بعدم الارتياح؟ هناك قانون فدرالي سيزيد قريباً كمية البيانات التي تستطيع سيارتك جمعها عنك، إذ سيفرض قريباً على شركات السيارات الأمريكية تركيب كاميرات بيومترية تعمل بالأشعة تحت الحمراء وأنظمة أخرى تقوم بمسح لغة الجسد، وتتبع حركة العينين أو جوانب أخرى من السلوك لاكتشاف ما إذا كان السائق مخموراً أو متعباً أكثر من اللازم للقيادة.
لكن ذلك سيفتح أيضاً الباب أمام كم هائل جديد من البيانات المتعلقة بصحتك وعاداتك، ولا توجد حالياً قواعد تحد مما يمكن لشركات السيارات فعله بهذه المعلومات.
ومع استعداد شركات صناعة السيارات لتوسيع إمبراطورياتها القائمة على البيانات، فإن هذه لحظة هامة لفهم ما الذي يجري فعلاً "تحت غطاء المحرك" وكيف يؤثر ذلك عليك.
وبالطبع، هناك فوائد أيضاً، فالسيارات المتصلة بالإنترنت قد تكون أكثر راحة وسهولة في الاستخدام، كما أن الحساسات الكثيرة التي تزود بها يمكن أن تجعل القيادة أكثر أماناً وراحة، وقد تقرر شركات التأمين حتى خفض كلفة تأمينك إذا اعتبرتك سائقاً جيداً.
لكن مع اتجاه شركات السيارات إلى توسيع إمبراطوريات البيانات الخاصة بها، تصبح هذه لحظة مهمة لفهم ما يحدث داخل هذه الأنظمة وتأثيره المباشر على حياتك.
الطريق السريع لجمع البيانات
إذا كانت سيارتك حديثة نسبياً، فمن المرجح أنها جزء من هذا النظام، فقد وجدت شركة الاستشارات "ماكينزي" أن 50 في المئة من السيارات الموجودة على الطرق عام 2021 كانت متصلة بالإنترنت، وتوقعت أن ترتفع النسبة إلى 95 في المئة بحلول عام 2030، وإذا كانت سيارتك متصلة بالإنترنت، فغالباً ما تصبح الخصوصية قضية يجب أن تقلق بشأنها.
كما تستطيع شركات السيارات التجسس عليك عندما توصل هاتفك بنظام الترفيه والمعلومات داخل السيارة، أو إذا استخدمت بعض التطبيقات المصممة للقيادة، ويستخدم بعض السائقين أيضاً أنظمة التتبع الخاصة بشركات التأمين، التي تراقب سلوكهم مقابل احتمال الحصول على تخفيضات.
وفي تحليل أجرته مؤسسة "موزيلا" المطورة لمتصفح "فايرفوكس" عام 2023، تمت مراجعة سياسات الخصوصية لـ25 علامة تجارية للسيارات، ولم تنجح أي واحدة منها في تلبية معايير الخصوصية والأمان التي تعتمدها المؤسسة للمقارنة بين العلامات التجارية.
وقالت موزيلا إن السيارات أصبحت "أسوأ فئة منتجات قمنا بمراجعتها على الإطلاق من ناحية الخصوصية".
وبحسب التقرير، تحتفظ شركات السيارات بحق جمع تفاصيل تشمل الاسم والعمر والعرق والوزن والبيانات المالية وتعابير الوجه والميول النفسية وغير ذلك.
وتشير سياسة الخصوصية الخاصة بشركة "كيا"، على سبيل المثال، إلى أن الشركة قد تجمع حتى معلومات تتعلق بـ"الحياة الجنسية" والصحة العامة.
لكن جيمس بيل، المتحدث باسم شركة كيا، قال إن الشركة لم تجمعأي بيانات عن الحياة الجنسية أو الصحة الخاصة بالسائقين.
وأضاف أن هذه التفاصيل وردت فقط لأن سياسة الخصوصية تسرد تعريف ولاية كاليفورنيا لما يسمى "البيانات الحساسة".
وأكد أن ممارسات كيا المتعلقة بالخصوصية "شفافة"، وأن الشركة لا تشارك البيانات مع شركات التأمين إلا إذا وافق السائق على ذلك، غير أن الشركة لم توضح أنواع "البيانات الحساسة" التي تجمعها.

صدر الصورة، Getty Images
قد يكون من الصعب تخيل ذلك، لكن السيارات الحديثة مليئة بالحساسات: في المقاعد ولوحة القيادة والمحرك وعجلة القيادة وفي كل مكان تقريباً، فالعديد من السيارات، على سبيل المثال، تحتوي على كاميرات داخلية وخارجية، وإذا كنت تفعل أي شيء داخل سيارة حديثة، فهناك احتمال كبير بأن تتمكن الشركات من معرفة ذلك.
ووجدت موزيلا أن 19 شركة سيارات قالت إنها قد تبيع بيانات المستخدمين، وهذا ما يحدث حقاً، فعلى سبيل المثال، اتخذت جهات حكومية أمريكية على المستويين الفدرالي والمحلي إجراءات ضد شركة "جنرال موتورز" بسبب مزاعم بيع بيانات مواقع السيارات دون موافقة أصحابها.
كما اتهم أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي شركتي "هوندا" و"هيونداي" بممارسات مشابهة، وهذه مجرد أمثلة معروفة للعلن.
وتقول جين كالترايدر، محللة الخصوصية التي قادت أبحاث موزيلا حول السيارات: "إنهم يأخذون كل المعلومات التي يجمعونها عنك وهي كمية هائلة ويستخدمونها لاستنتاج من أنت ومدى ذكائك وما هو ملفك النفسي وما هي معتقداتك السياسية".
وأضافت: "هذه أمور لا يفكر فيها الناس عادة".
وتقول كالترايدر إنه لا توجد تقريباً أي قواعد تحدد من يستطيع شراء هذه البيانات أو كيف يمكن استخدامها، فقد تُستخدم لتسويق منتجات لك، أو حتى لاتخاذ قرارات تتعلق بالتوظيف.
كما يمكن لجهات إنفاذ القانون شراء بيانات السيارات عندما تعجز عن الحصول على مذكرة تفتيش، وبمجرد خروج البيانات من لوحة قيادة سيارتك، تفقد أي سيطرة على المكان الذي ستنتهي إليه.
قد يصبح الأمر أسوأ
الأمر لا يتعلق فقط بتجسس الشركات على حياتك الخاصة، فقد باعت شركة "جنرال موتورز" معلومات السائقين إلى شركة "ليكسيس نيكسيس"، وهي شركة وساطة بيانات تشتري وتبيع معلومات المستهلكين.
وأفاد أحد السائقين، الذي حصل على نسخة من بياناته، بأن الشركة كانت تحتفظ بـ130 صفحة من المعلومات التي توثق كل رحلة قام بها هو وزوجته خلال ستة أشهر.
وقال لصحيفة نيويورك تايمز إن وكيل التأمين أخبره بأن هذه البيانات كانت أحد أسباب ارتفاع كلفة تأمينه بنسبة 21 في المئة، ولم ترد "ليكسيس نيكسيس" على طلبات التعليق.
واتخذت لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية إجراءات بحق "جنرال موتورز"، وأصبحت الشركة ممنوعة من بيع بيانات المركبات لمدة خمس سنوات، لكن يمكنها استئناف هذه الممارسة لاحقاً إذا حصلت على موافقة صريحة من السائقين والتزمت بشروط أخرى.
وفي الوقت نفسه، ما تزال "ليكسيس نيكسيس" وشركات أخرى تبيع بيانات السيارات التي تحصل عليها من شركات تصنيع أخرى أو من التطبيقات التي يستخدمها السائقون أثناء القيادة، ولم ترد الشركتان على طلبات التعليق.
وتعد الاتفاقيات بين شركات التأمين، ومصنّعي السيارات، ووسطاء البيانات واسعة الانتشار، وطالما أن هذه الممارسات مذكورة في سياسات الخصوصية التي يوافق عليها المستخدمون، فإنها تبقى قانونية بالكامل.
ويقول مايكل ديلونغ، الباحث والمدافع عن حقوق المستهلك في اتحاد المستهلكين الأمريكي: "شركات التأمين تجمع كميات هائلة من بيانات المستهلكين، خصوصاً بيانات القيادة، وتستخدمها لمحاولة فرض أقساط أعلى، أو رفض التغطية، أو تصنيف المستهلكين إلى فئات مختلفة".
وتقول شركات السيارات إنها تحصل على موافقة السائقين قبل تتبعهم، لكن ذلك يعني عملياً الموافقة على النماذج وسياسات الخصوصية عند إعداد نظام الترفيه داخل السيارة أو التطبيقات المرتبطة بها، وفي بعض السيارات تظهر هذه الرسائل في كل مرة يتم فيها تشغيل المحرك، لكن هل يقرأها الناس فعلاً؟ بالطبع لا.
وفي الولايات المتحدة لا يوجد قانون وطني شامل للخصوصية، بينما تبقى القوانين في بعض الولايات متفرقة وغير كافية وفقاً لخبراء الخصوصية، أما الوضع في أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، فهو أفضل قليلاً، حيث توجد حماية خاصة لبعض أنواع البيانات الحساسة، كما يمتلك المستهلكون حقوقاً تتيح لهم الوصول إلى بياناتهم وطلب حذفها، لكن المشكلة ما تزال قائمة هناك أيضاً.
وتقول كالترايدر: "الأوروبيون أيضاً ما يزالون خاضعين لسياسات الخصوصية، وعليك أن تثق بأن القوانين ستُطبّق وتُنفذ، وهذا لا يحدث دائماً، خصوصاً فيما يتعلق بالسيارات".
والمشكلة ليست جديدة، لكن هناك أسباب تدعو للاعتقاد بأنها تتسارع، فالقانون الأمريكي يفرض قريباً على شركات السيارات تركيب "تقنيات متقدمة لمنع القيادة في حالات الإعاقة" داخل المركبات الجديدة خلال السنوات المقبلة.
وتهدف هذه التكنولوجيا إلى منع الأشخاص من القيادة إذا كانوا مخمورين أو متعبين أو غير مؤهلين للقيادة، باستخدام كاميرات بالأشعة تحت الحمراء أو أنظمة أخرى.
لكن المشكلة، بحسب كالترايدر وآخرين، أن القانون لا يتضمن أي بنود تتعلق بمصير البيانات التي ستنتجها هذه الأنظمة.
وقال متحدث باسم الإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة المرور على الطرق إن الهيئة "ملتزمة بخفض الوفيات الناتجة عن القيادة تحت تأثير الكحول أو الإرهاق باستخدام كل الوسائل المتاحة"، وإنها "تواصل معالجة قضايا معقدة ومهمة" مثل مخاوف الخصوصية.
ومن المرجح أن يتأخر تطبيق القانون لأن التكنولوجيا لم تصبح جاهزة بعد، لكن المدافعين عن الخصوصية يطلقون التحذيرات.
وتقول كالترايدر: "نحتاج إلى إبقاء السائقين المخمورين بعيداً عن الطرق، وسيكون رائعاً لو كان هناك ضمان بأن البيانات لن تُستخدم لأغراض أخرى، لكن هذا لا يحدث".
وأضافت: "الكثير من تقنيات جمع البيانات في السيارات تُقدَّم تحت شعار السلامة"، وترى أن ذلك قد يمنح صناعة السيارات كنزاً من المعلومات التي تُعد عملياً بيانات طبية من دون أي ضمانات حقيقية.
وكما هو الحال مع كثير من مشكلات الخصوصية، فإن مشكلة بيانات السيارات لا يمكن حلها بالكامل، لكن هناك بعض الخطوات التي يمكن اتخاذها.
فعلى سبيل المثال، ينصح ديلونغ بعدم الاشتراك في برامج تتبع القيادة التابعة لشركات التأمين إذا كانت لديك مخاوف تتعلق بالخصوصية.
ويقول إن المخاطر كبيرة، بينما الفوائد غير مضمونة، فقد أظهر تحليل أجرته ولاية ماريلاند أن 31 في المئة من السائقين حصلوا على تخفيضات في التأمين، بينما ارتفعت الأسعار بالنسبة إلى 24 في المئة منهم، ولم يلاحظ 45 في المئة أي تغيير.
وفي المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض الولايات الأمريكية، يمكن للمستهلكين طلب نسخة من البيانات التي تجمعها الشركات عنهم، كما يمكنهم رفض بيع تلك البيانات أو مشاركتها، والمطالبة بحذفها أيضاً.
كما توفر بعض شركات السيارات إعدادات خصوصية يمكن تعديلها للحد من جمع البيانات أو مشاركتها، ويمكن العثور على هذه الخيارات ضمن إعدادات نظام الترفيه داخل السيارة أو التطبيقات المرتبطة بها.
وترى كالترايدر أن هذه الخطوات قد تساعد، لكنها تؤكد أنه لا ينبغي أن تقع المسؤولية على المستخدمين وحدهم لمنع الشركات من انتهاك خصوصيتهم.
وتقول: "إلى أن تتغير قواعد اللعبة بالكامل، وحتى نمتلك بياناتنا ونسيطر عليها، وتصبح الشركات ملزمة بطلب إذننا قبل استخدامها، فأعتقد أن هذه المشكلة ستزداد سوءاً باستمرار".































