"عذراء كينت المقدسة" التي تنبأت بوفاة الملك هنري الثامن

صدر الصورة، Getty Images
- Author, مولي غورمان
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
في القرن السادس عشر، ذاع صيت الخادمة المنزلية إليزابيث بارتون بوصفها صاحبة رؤى ونبوءات، لكن تحديها للملك انتهى بها إلى دفع حياتها ثمناً لذلك. فهل كانت دجالة، أم امرأة شجاعة تحدت السلطة في إنجلترا عصر تيودور؟
في عام 1525، أصيبت خادمة منزلية تدعى إليزابيث بارتون بمرض خطير، في قرية صغيرة بمقاطعة كينت في إنجلترا. وأثناء هذيانها، راحت تتمتم بمقاطع من الكتاب المقدس. ثم بدأت تدخل في حالات من الغيبوبة تشبه نوبات الصرع، وتتحدث خلالها عن نبوءات دينية. ولم يطل الوقت حتى انتشرت أخبار رؤاها، وبدأ الناس يتوافدون لرؤية هذه الشابة الغامضة.
تحذير: يحتوي هذا المقال على تفاصيل قد يجدها بعض القراء مزعجةً.
وبعد أن دخلت بارتون أمام حشد من الناس في نوبة استمرت ساعات عدة، وقيل إنها شفيت من مرضها بعدها، أعلن أنها "صاحبة رؤى حقيقية". وقال أحد الشهود، وكان من بين آلاف الحاضرين: "كان وجهها مشوهاً على نحو مدهش، ولسانها متدلياً، وعيناها كأنهما اقتلعتا من مكانهما".
بعد ذلك، التحقت بارتون بدير صغير للراهبات في كانتربري، وسرعان ما أصبحت شخصية مؤثرة في إنجلترا خلال عهد أسرة تيودور. فقد استشارها كبار رجال الدين والنبلاء، بل إن الملك هنري الثامن نفسه لجأ إليها. لكن نبوءاتها أخذت لاحقاً منحى سياسياً خطيراً، وهو ما قاد في النهاية إلى سقوطها المأساوي. ويعيد كتاب "بطلات عالم تيودور"، الذي صدرت حديثاً نسخته الورقية، النظر في مكانتها وأهميتها التاريخية.
وجاء صعود بارتون إلى الشهرة في وقت كانت فيه أفكار الإصلاح الديني تشق طريقها إلى إنجلترا، وتعمق الانقسام بين الكاثوليك وأتباع المصلحين البروتستانت.
فبحلول عشرينيات القرن السادس عشر، كانت أفكار الإصلاح القادمة من أوروبا القارية قد بدأت تنتشر في البلاد، حاملةً معها انتقادات لثراء الكنيسة الكاثوليكية، وتحدياً للسلطة التي كان يتمتع بها البابا.

صدر الصورة، Alamy
كان كثير من الكاثوليك ينظرون إلى هذه التحولات بقلق بالغ. وتقول شارون بينيت كونولي، مؤلفة كتاب "بطلات عالم تيودور": "رأوا في كل ذلك تهديداً لطريقة حياتهم، ولذلك كانوا يشجعون أي شيء يمكن أن يساعدهم على مواجهة هذا التهديد". ومع انتشار الاعتقاد بأن بارتون تنطق بكلمة الرب، أخذ الناس يتناقلون رؤاها على نطاق واسع، شفهياً وفي كتاباتهم.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وتقول كونولي لبي بي سي: "كان الجميع يأخذها على محمل الجد. وسواء كانت رؤاها حقيقية أم لا، فقد آمن الناس بها".
ولم يقتصر أتباع بارتون على عامة الناس. فقد أثارت "العذراء المقدسة من كينت"، أو "راهبة كينت" كما أصبحت تعرف، اهتمام عدد من الرهبان وكبار رجال الدين، بينهم كبير وزراء الملك الكاردينال وولسي ورئيس أساقفة كانتربري. ووصلت أخبارها لاحقاً إلى السير توماس مور، مستشار الملك هنري الثامن وأحد أكثر رجال عصره نفوذاً. وعندما التقاها مور، قال إنه أراد أن يرى بنفسه "فضيلتها العظيمة" التي ظل يسمع عنها "لسنوات عديدة".
لكن مور كتب إليها لاحقاً محذراً إياها من الحديث عن الملك أو الخوض في شؤونه الشخصية.
وحظيت بارتون بعد ذلك بحظوة لدى الملك، والتقته مرات عديدة، وكان تمسكهما الشديد بالكاثوليكية عاملاً مشتركاً بينهما، إذ ظل هنري كاثوليكياً خلال معظم حياته. لكن رغبته في تطليق زوجته والزواج بأخرى وإنجاب وريث ذكر كانت تتعارض مباشرة مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكية.
وعارضت بارتون في كثير من نبوءاتها انفصال إنجلترا عن روما، كما وقفت بقوة إلى جانب كاثرين الأراغونية. وبلغ بها الأمر أن كتبت إلى البابا كليمنت السابع، محذرةً إياه من أن وباءً سيحل إذا وقف ضد كاثرين.

صدر الصورة، Getty Images
وتقول ديان وات، أستاذة الأدب الإنجليزي في العصور الوسطى بجامعة ساري في المملكة المتحدة، ومؤلفة كتاب "النبيات في إنجلترا في أواخر العصور الوسطى ومطلع العصر الحديث"، إن شخصيات بارزة في الكنيسة الكاثوليكية كانت تعتقد أن بارتون قادرة على التأثير في الملك و"منعه من المضي في مسار كان يثير فزعهم".
قائدة للمقاومة
وتقول وات إن ذلك دفع البعض إلى اعتبار "عذراء كينت المقدسة" مجرد أداة في يد الكنيسة الكاثوليكية، وأن رجالها كانوا يتلاعبون بها ويوجهونها.
وتضيف في حديثها لبي بي سي: "أعتقد أن تصويرها على أنها دجالة وشخصية جرى التلاعب بها هو تحديداً ما أراد أعداؤها أن نصدقه عنها. أما أنا فأعتقد أنها كانت امرأة موهوبة للغاية وتتمتع بحضور طاغٍ".
وتقول إن هناك قراءة أخرى لشخصية بارتون، تقوم على "النظر إليها باعتبارها قادت المقاومة ضد طلاق هنري وزواجه من أخرى، بدلاً من اختزالها في مجرد دمية يحركها الآخرون".

ويجدر التذكير بأن أوروبا في العصور الوسطى عرفت عدداً من المتصوفين وأصحاب الرؤى الذين تمتعوا بنفوذ كبير، وكان الملوك، بل وحتى البابا، يصغون إليهم. وفي إنجلترا، برزت في القرن الخامس عشر شخصيات مثل جوليان من نورويتش ومارغري كيمب، وإن لم تحظيا بالشهرة الواسعة نفسها التي نالتها بارتون، بحسب وات.
وربما يعود ذلك إلى أن نبوءات بارتون أخذت طابعاً سياسياً متزايداً، ولم تعد تقتصر على القضايا الأخلاقية. وتقول وات: "اكتسبت إليزابيث أهميتها لأنها كانت تتحدث في مسائل سياسية بطريقة لم يفعلها غيرها من أصحاب الرؤى في ذلك العصر".
وكانت بارتون تختلف أيضاً عن كثير من المتصوفين في خلفيتها الاجتماعية، إذ جاءت من طبقة الخدم، بينما كان معظمهم ينتمون إلى طبقات أعلى. وتقول وات: "ما لم تكن المرأة ملكةً، أو شخصيةً استثنائيةً من الطبقات العليا أو من النبلاء، فلم يكن لها في الواقع صوت سياسي. لكن التصوف والنبوءة، إذا حظيا بدعم الكنيسة، كانا يتيحان للنساء فرصةً للتدخل في الشؤون السياسية".
تحدّي الملك
وهذا بالفعل ما فعلته بارتون. فقد ادعت أولاً أنها تلقت وحياً من الرب يفيد بأن هنري لن يعيش أكثر من سبعة أشهر إذا تزوج آن، ثم قالت لاحقاً إنه لن يبقى ملكاً بعد شهر واحد من زواجه منها، من دون أن توضح كيف أو لماذا سيحدث ذلك. وتقول كونولي: "كانت تسير على خيط رفيع للغاية".
وكان في موقفها قدر كبير من الجرأة. وتقول كونولي إن اللافت كان "أن تتمكن امرأة شابة كهذه من الوقوف في وجه ملك وإخباره بذلك".
وكان التنبؤ بموت الملك يعد خيانة عظمى بموجب قانون الخيانة الصادر عام 1351.
وأثارت النبوءة قلق الملك وآن إلى حد أنهما زارا بارتون في كانتربري في أكتوبر/تشرين الأول 1532، أثناء توجههما إلى كاليه، في محاولة لاستمالتها. وعرض هنري عليها أن تصبح رئيسة دير مقابل التزامها الصمت بشأن زواجه، فيما عرضت عليها آن منصباً في حاشيتها.
لكن بارتون رفضت العرضين، ما أثار غضب الملك، من دون أن يثنيه ذلك عن الزواج من آن في يناير/كانون الثاني 1533.
ومع مرور الأشهر، اتضح أن نبوءاتها لم تتحقق.

صدر الصورة، Getty Images
وأرسلت بارتون إلى برج لندن، حيث خضعت للاستجواب على يد توماس كرومويل، كبير وزراء الملك الجديد، واعترفت هناك بأنها لم تتلق أي وحي من الرب. وتقول كونولي: "لهذا لا تزال قصتها تثير اهتمامنا، لأننا لا نعرف إن كانت قد رأت رؤى حقيقية أم لا. وإذا كانت قد كذبت، فقد كانت شديدة الذكاء، واستطاعت خداع عدد هائل من الناس".
ولا نعرف إن كانت بارتون قد تعرضت للتلاعب أو أجبرت على الاعتراف، كما أننا لن نعرف أبداً إن كانت نبيةً حقيقيةً أم لا.
نهاية مروّعة
وفي 20 أبريل/نيسان 1534، أعدمت بارتون مع ستة من أنصارها المخلصين، بينهم مرشدها الروحي إدوارد بوكينغ، في موقع الإعدام في تايبورن، وكانت تبلغ من العمر 28 عاماً فقط.
وعرض رأسها بعد ذلك عند البوابة الجنوبية لجسر لندن القديم، في تقليد كان متبعاً منذ نحو القرن الرابع عشر وحتى أواخر القرن السابع عشر، وكان الهدف منه توجيه تحذير صارم لمن يتهمون بالخيانة.
وكان السير توماس مور وتوماس كرومويل وغاي فوكس من بين الشخصيات الشهيرة التي لقيت المصير نفسه، لكن "عذراء كينت المقدسة" هي المرأة الوحيدة التي يعرف أنها عوملت بهذه الطريقة.
وبعيداً عن النهاية المأساوية التي لقيتها، ترى كونولي أن لبارتون أهميةً تاريخيةً حقيقيةً، وتقول: "تمكنت امرأة شابة من كينت، لم تحظ إلا بقدر ضئيل جداً من التعليم، من جذب الناس إلى أفكارها. وقد عبرت عما كان يفكر فيه عامة الناس في ذلك الوقت".

صدر الصورة، Getty Images
وللأسف، طُمست رواية بارتون للأحداث إلى حد كبير من صفحات التاريخ، إذ لا يُعرف وجود أي أثر لكتاباتها أو حتى لشهادات أتباعها، فقد حرص كرومويل على مصادرة 700 نسخة من كتاب يضم "رؤاها"، والذي صاغه بوكينغ، وإتلافها فور طباعتها، كما أُتلف أيضاً كُتيّب آخر كان من المقرر توزيعه.
ويأمل الأكاديميون في العثور يوماً ما على تلك الرؤى المفقودة، بل إن رواية جديدة تدور أحداثها في إطار الغموض وجرائم القتل تتخيل عالماً ينجح فيه مؤرخ في التوصل إلى هذا الاكتشاف الاستثنائي.
لكن ذلك لم يحدث بعد، وما بقي بين أيدينا هو الوثائق الرسمية للدولة التي كتبها أشخاص مثل كرومويل، إضافة إلى النظرة البروتستانتية الأحادية تجاهها، والتي تصفها بأنها "دجّالة"، كما تقول وات.
وتضيف: "لقد أثرت تلك النظرة السلبية إلى بارتون بشكل كبير في كتب التاريخ، ولهذا انتهى بها الأمر إلى أن تصبح شخصية غامضة إلى حد كبير، لأن عدداً قليلاً جداً من الناس أرادوا الدفاع عن قضيتها، آمل أن يظهر ذلك الكتاب المفقود الذي يضم رؤى إليزابيث بارتون يوماً ما".





























