لماذا تتحمل النساء العبء الذهني الأكبر في إدارة شؤون الأسرة؟

طفل صغير يتابع والدته وهي تكتب في مدونة مكتوب عليها في منتصف أعلى الصفحة ما يشير إلى أن هذا الجدول خاص بمادة الرياضيات

صدر الصورة، Halfpoint Images

    • Author, غريس دين ومالوري مونش
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 8 دقائق

تقول ستايسي ماتياس، وهي أم لثلاثة أطفال، إن رأسها "لا يتوقف عن التفكير" إطلاقاً، حتى إنها تخلد إلى النوم ولا تفارقها قائمة ذهنية بالمهام التي يتعيّن عليها إنجازها.

وتتحدث ستايسي عن مفهوم "العبء الذهني"، وهو عبء تخطيط وتنظيم وتذكّر واستباق المهام التي تضمن استمرار شؤون الأسرة وإدارة المنزل.

وتشمل هذه المهام تذكّر الرحلات المدرسية، ومتابعة مستجدات الشؤون الدراسية من خلال مجموعات أولياء الأمور على تطبيق واتساب، وتحديد الأماكن التي تحتاج إلى تنظيف في المنزل، ومتابعة نوم الأطفال، وحجز مواعيد الأطباء، وشراء الزي المدرسي.

ووفقاً للأكاديميين، يقع هذا العمل، في العلاقات بين الجنسين، بصورة غير متناسبة على عاتق المرأة، ولا سيما الأمهات، فضلاً عن تحمل النصيب الأكبر من العمل المنزلي الذي يحتاج إلى مجهود بدني.

وبطبيعة الحال، تختلف العلاقات والأسر من حالة إلى أخرى، لكن الدراسات تشير إلى أنماط واضحة.

بدأ الأطفال في المملكة المتحدة مؤخراً عامهم الدراسي الجديد بعد عطلة صيفية، وتقول ستايسي، البالغة من العمر 37 عاماً، من ستوكبورت، إن ذهنها يكون غالباً في حالة انشغال دائمة، في شهر سبتمبر/أيلول.

وتضيف: "الشعور بوجود شيء دائماً ينبغي تذكّره أو تنظيمه أو القلق بشأنه هو ما يجعل هذا الوقت من العام حافلاً بالمهام بصورة خاصة".

وتقول ستايسي إن قائمة المسؤوليات هذه تجعل عقلها يبدو كأنه حوض لغسل الصحون يستمر امتلاؤه طوال اليوم.

وتضيف: "إذا لم يكن هناك من يساعدك في رفع تلك الصحون، فإن الماء سيفيض بحلول نهاية اليوم، وستجدين نفسك في مرحلة يصبح فيها الأمر لا يُطاق".

صورة لسيدة تدعى ستايسي ماتياس

صدر الصورة، Stacie Matthias

التعليق على الصورة، تقول ستايسي إن لديها دائماً شيئاً "تتذكره أو تنظمه أو تقلق بشأنه"
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وأظهر استطلاع رأي بشأن العبء الذهني، شمل ثلاثة آلاف من الآباء والأمهات في الولايات المتحدة وأشرف عليه أكاديميون من جامعة باث وجامعة ملبورن، أن الأمهات اضطلعن بـ 71 في المئة من المهام المنزلية التي تتطلب جهداً ذهنياً، مثل متابعة موعد غسل أغطية الأسرّة والمناشف، وتذكّر الموعد المتوقع لاستهلاك الطعام الموجود في الثلاجة.

كما أظهرت الدراسة أن الآباء اضطلعوا بالعديد من المهام التي وصفها الباحثون بأنها "عرضية"، أي تلك التي تحدث بوتيرة أقل، مثل تذكّر موعد إجراء صيانة السيارة.

وتصف ليا روبانر، الأستاذة بجامعة ملبورن، العبء الذهني بأنه عمل غير مرئي ومستمر لا حدود له، وتقول: "أنت لا تأخذ صحونك معك إلى العمل، لكنك تأخذ العبء الذهني معك في كل مكان".

أصبح العبء الذهني موضوعاً شائعاً في منتديات مثل "ريديت" و"مامس نت"، حيث تلتمس النساء النصيحة بشأن كيفية التحدث مع أزواجهن بشأن الإرهاق الناجم عن محاولة التوفيق بين هذا الكم الكبير من المسؤوليات المختلفة.

وتقول أمهات لبي بي سي نيوز إنهن يتابعن مجموعات واتساب المدرسية، التي تناقش فيها الأمهات قضايا مثل أيام عدم ارتداء الزي المدرسي، والرحلات المدرسية، وأعياد الميلاد، والممتلكات المفقودة، بوصفهن "الوالد المسؤول تلقائياً عن شؤون الأطفال"، في حين أن أزواجهن لم ينضموا إلى تلك المجموعات المدرسية إطلاقاً.

وتقول صوفيا، وهي أم لثلاثة أبناء تبلغ من العمر 35 عاماً وتعيش في بورتسموث، إنها تدفع تكاليف الرحلات المدرسية وتطلب وجبات الغداء عبر تطبيق مدرسة أطفالها من خلال الهاتف، وتضيف أن زوجها لم يقم بتحميل التطبيق على هاتفه إطلاقاً.

وتلفت إلى أنها حاولت مرات عديدة أن تشرح لزوجها مفهوم العبء الذهني، لكنها تشعر بأنه لم يفهمه، ورفض مخاوفها واعتبرها مجرد "مهام سريعة".

وتقول صوفيا: "إنها مهام سريعة إذا كان بالإمكان تنفيذها ببساطة، لكن عليّ أن أخطط لها، وأتوقعها، واستبقها بعشر خطوات طوال الوقت".

أم تجري مكالمة هاتفية وفي ذات الوقت تؤدي أعمال تنظيم حقيبة مدرسية زرقاء وأمامها بعض الخضراوات بينما يقف في زاوية أخرى من الطاولة طفل ينظر في وعاء يحتوي على سائل أصفر

صدر الصورة، Getty Images

ويقول سام بيري، نائب مدير مدرسة وصانع محتوى وأب لطفلين في لندن، إنه عندما طرحت زوجته للمرة الأولى قضية "العبء الذهني" بعد ولادة طفلهما الأكبر، فإنه "لم يستوعب الأمر حقاً"، وكان "دفاعياً بعض الشيء"، لأنه كان يعتقد أنه يبذل الكثير من الجهد، من تغيير الحفاضات، وإطعام الطفل، وغير ذلك من مهام.

وكان يسأل عمّا يمكنه فعله لتقديم المساعدة، لكنه يقول إن ذلك كان يلقي على عاتق الطرف الآخر عبء التفكير.

وكما توضح ستايسي: "أقول دائماً لزوجي: إذا كان عليّ أن أطلب منك عمل شيء ما، فإن ذلك لا يضيف سوى المزيد من العبء الذهني عليّ".

استغرق الأمر بضعة أشهر من الحوار والإنصات حتى أدرك سام أن الأمر لا يتعلق بمجرد إنجاز المهمة فحسب، بل بالتفكير الذي يحيط بها، فالأمر ليس مجرد طهي العشاء، وإنما معرفة ما هو متوفر من طعام في المنزل، والتخطيط للوجبة، وشراء الاحتياجات.

وتقول ناتاشا والاس، الأخصائية النفسية الإكلينيكية، إن بعض النساء يأتين إليها وهنّ يشعرن بالتوتر نتيجة الضغط الذي يشعرن به بسبب تنظيم شؤون المنزل.

وتضيف: "غالباً لا يتمثل الأمر بالنسبة إليهن في عامل ضغط واحد، بل في إدراكهنّ أن مئات الطلبات الصغيرة تقع على عاتقهن، وأن أدمغتهن وأجسادهن لا تستطيع ببساطة أن تتوقف عن العمل".

وتضيف أن كثيراً من النساء يعشن حالة من العمل التلقائي، لذلك لا يدركن في كثير من الأحيان مدى العبء الفكري الذي يتحملنه، وأن هذا المستوى المستمر والمنخفض من التوتر يمكن أن يؤثر على الجهاز العصبي، وتقول إن ذلك قد يؤدي بدوره إلى قلة النوم، وسرعة الانفعال، والإرهاق الناجم عن اتخاذ القرارات.

صورة لسيدة شابة تدعى ناتاشا والاس

صدر الصورة، Natasha Wallace

التعليق على الصورة، تقول ناتاشا والاس إن التعرض المستمر للضغط النفسي يمكن أن يؤثر على الصحة النفسية وراحة الشخص

وتقول أنيتا كلير، خبيرة تربية الأطفال ومؤلفة كتاب "التبديل بين العمل والأبوة"، إن الاستنزاف الفكري الكلي يمتد أثره إلى حياتنا المهنية، كما يؤدي إلى احتراق وظيفي غير قابل للاستدامة.

وأظهرت دراسة أن الرجال الذين يحصلون على دخل أعلى يؤدون قدراً أقل من العمل البدني والفكري داخل المنزل، في حين أنه عندما ترتفع دخول النساء، فإنهن يقللن من العمل المنزلي البدني، لكنهن يواصلن أداء القدر نفسه من العمل الفكري.

وتقول كلير إن النساء نادراً ما يشعرن بأن الانسحاب من الحياة الأسرية يمثل خياراً بالنسبة إليهن، لذلك يصبح الخيار أمامهن متمثلاً في إبطاء المسار المهني، أو العمل بدوام جزئي، أو التوقف عن العمل والبقاء في المنزل، وهو قرار تتخذه الكثير من النساء.

وتضيف: "إذا قل العبء المنزلي، وقل العبء الذهني، فسوف يخلق ذلك طاقة وقدرة واهتماماً يتيح أداء المزيد من المهام وأيضاً بصورة أفضل في العمل".

لماذا هذا التفاوت؟

تقول العديد من النساء اللواتي أجرت بي بي سي مقابلات معهن إنهن يعتقدن أن التفاوت يبدأ مع إجازة الأمومة.

وتلفت والاس إلى أنه بسبب حصول النساء عادة على إجازة أمومة أطول بكثير من إجازة الأبوة التي يحصل عليها الرجال، فإنهن يصبحن "الوالد المسؤول تلقائياً عن شؤون الأطفال" في مرحلة مبكرة جداً.

وتضيف: "عندما تصبحين ذلك الشخص الذي يعرف كل شيء، ويعرف أين يوجد كل شيء، والذي سبق له القيام بكل شيء، يبدأ الجميع في اللجوء إليك في كل شيء، ولذلك تظلين ذلك الشخص المحوري حتى إذا عدت إلى العمل".

وتستطيع الأمهات، في المملكة المتحدة، الحصول على إجازة أمومة قانونية تصل إلى 52 أسبوعاً، منها 39 أسبوعاً يمكن أن تكون مدفوعة الأجر، بينما يمكن للآباء الحصول على إجازة تصل إلى أسبوعين مع أجر أبوة قانوني، كما يستطيع الوالدان الحصول على إجازة أبوية مشتركة.

ويقدم بعض أصحاب العمل إجازات أبوية إضافية لموظفيهم، لكن معظم الناس يحصلون على دخل أقل أثناء إجازة الأمومة أو الأبوة، وهو ما يؤثر في عدد أيام الإجازة التي يحصل عليها كثير من الآباء.

وتقول كلير إن أماكن العمل يمكن أن تساعد من خلال تقديم أمثلة للآباء الذين يحصلون على إجازة أبوة، وعدم الاكتفاء بمجرد إتاحتها لهم، فضلاً عن تحديد توقيت واضح يمكن فيها التواصل مع الموظفين، ودعم النقاشات المهنية الخاصة بالنساء.

ويقول زاك واتسون، وهو أب لثلاثة أبناء ومدرب في الولايات المتحدة بشأن تقاسم العبء الذهني، إن جده ربما لم يعد وجبة واحدة طوال حياته الزوجية، بينما والده فعل ذلك قليلاً.

وخلال السنوات الخمس الأولى من زواجه، كانت زوجته تطهو معظم الوقت، وإذا عرض عليها أن يطهو، كان يسألها عمّا تريده، وهو سؤال يمكن في الواقع أن يزيد من العبء الذهني عليها.

شاب في متجر يقف أمام مجموعة متنوعة من الفواكه ويحمل سلة خضراء لجمع المشتريات

صدر الصورة، Maskot/Getty Images

التعليق على الصورة، تقول النساء إنه من الضروري أن يتحمل الأزواج المسؤولية الكاملة عن مهامهم

وتعلّم زاك أن بإمكانه أن يأتي إليها باقتراحات بشأن وجبة العشاء، بعد أن يكون قد تفقد الثلاجة بالفعل، وأن يقدّم لها خياراً افتراضياً إذا أرادت أن تتخلّى تماماً عن اتخاذ القرار، وإذا احتاج إلى المساعدة، فبدلاً من أن يسأل فقط: "أين الكاتشب؟"، بإمكانه أن يوضح لها أين بحث بالفعل.

ويقول سام بيري إنه رغم أن بعض الرجال لا يبالون، فإن مجموعة كبيرة، من بينهم جمهوره على الإنترنت، "هم في الواقع أزواج جيدون جداً، وآباء جيدون جداً، ويحاولون بذل أقصى ما لديهم من جهد ويريدون أن يقدموا أفضل ما يستطيعون، لكنهم تقريباً لم يسبق لهم أن رأوا الأمر على هذا النحو أو لا يملكون اللغة المناسبة للتعبير".

وحرصت كثير من النساء اللواتي تحدثن لبي بي سي على ضرورة أن يتولى أزواجهن مسؤولية مهام معينة.

ويصف سام ذلك بأنه تولّي "فئة من المهام"، بحيث يتولى الأب، على سبيل المثال، جميع الشؤون الإدارية المتعلقة بالمدرسة، بينما تتولى الأم إدارة شؤون الطعام.

بيد أنه يقول إن المساواة لا تتمثل بالضرورة في تقسيم كل شيء مناصفة بنسبة 50/50، وإنما في إيجاد ترتيب أفضل يناسب كلا الشريكين، فقد يعمل أحدهما وقتاً أطول، بينما قد يستمتع الآخر بالطهي، وهكذا.

وتقول أفوا ويليامز، البالغة من العمر 40 عاماً، وهي أم لطفلين في لندن، إنه إذا كنت تتحملين تقليدياً النصيب الأكبر من العبء الذهني، فقد تحتاجين إلى تقبّل أن زوجك قد يؤدي الأمور بطريقة مختلفة تماماً، وأنها قد لا تسير دائماً على نحو سلس.

سيدة شابة تدعى أفوا ويليامز

صدر الصورة، Afua Williams

التعليق على الصورة، تقول أفوا ويليامز إن لديها دائماً الكثير من المهام التي تفكر فيها مع حلول شهر سبتمبر/أيلول

كيف نخفف العبء؟

تحدثت سيدات لبي بي سي نيوز عن نصائحهن الخاصة بشأن كيفية إدارة العبء الذهني بصورة أكثر توازناً:

  • التواصل بوضوح مع الزوج بشأن مشاعرك وتأثير العبء الذهني عليك، ويسمي زاك ذلك بـ "التسمية"، أي جعل العمل الفكري والعاطفي غير المرئي مرئياً، وتقول والاس إنه لا ينبغي الحديث عن هذه الشؤون عندما تكون غاضبة أو مثقلة بالأعباء، وإلا فقد يشعر الطرف الآخر بأنه "موضع لوم أو انتقاد".
  • "تحديد ما يمكنك التخلّي عنه"، تطرح آنا كاتالانو ويكس، باحثة مشاركة في دراسة عن تأثير العبء الذهني في العمل، سؤالاً مفاده هل تحتاجين فعلاً إلى تنظيم بطاقات أعياد الميلاد الورقية لأصدقاء أطفالك؟ هل يمكنك تعطيل إشعارات التنبيه لمجموعات أولياء الأمور على واتساب والتركيز فقط على رسائل البريد الإلكتروني الرسمية من المدرسة؟
  • إجراء مراجعات منتظمة مع الزوج، وقد تكون يومية أو أسبوعية أو موسمية.
  • تحديد تقويم مشترك بحيث يكون الجميع على علم بأعياد الميلاد، والاجتماعات المدرسية، وغير ذلك.
  • مسؤولية المهام تكون من بدايتها إلى نهايتها على عاتق الشخص دون الحاجة إلى تذكير.
  • عدم الوقوع في "فخ الكفاءة"، أي الاعتقاد بأن الحل يكمن ببساطة في أن تصبح أكثر تنظيماً، وتذكّر أن أكثر ما يهمك بصفتك والداً هو لحظات التواصل مع طفلك، وليس تناول أنواع معينة من الخضروات، لأن ذلك سيساعد في إعادة النظر في ما يُتوقع من كل طرف أن يفعله، ومن يتحمل مسؤولية معينة.