كيف كشفت حرب إيران هشاشة الاقتصاد العراقي؟

تراجع الصادرات عبر الخليج واضطراب إمدادات الغاز الإيراني يضعان العراق أمام اختبار اقتصادي صعب، ويثيران تساؤلات بشأن قدرته على مواجهة الصدمات الإقليمية.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، كشفت حرب إيران واضطراب الشحن عبر مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي.
    • Author, محمد خالد
    • Role, خدمة المتابعة الإعلامية في بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

كشفت حرب إيران وما نتج عنها من اضطراب في حركة الشحن عبر مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي واعتماده الكبير على صادرات النفط، التي يمر معظمها عبر هذا الممر الاستراتيجي، فضلاً عن اعتماده على إمدادات الغاز الإيراني لتشغيل شبكة الكهرباء.

ومع تراجع الصادرات عبر الخليج بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة، شهد العراق انخفاضاً كبيراً في عائدات النفط، رغم الارتفاع الكبير في أسعار الخام العالمية، ما زاد الضغط على موازنة الدولة المثقلة أصلاً بالتزامات ضخمة تتعلق بالرواتب والرعاية الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، فاقمت الاضطرابات في إمدادات الغاز الإيراني نقص الكهرباء في أنحاء البلاد، مسلطة الضوء على اعتماد بغداد على طهران في استدامة توليد الطاقة.

كما أثارت الأزمة تساؤلات أوسع بشأن بنية الاقتصاد العراقي وقدرة الحكومة على معالجة تحدياته الاقتصادية المعقدة.

كيف كشفت الحرب اعتماد العراق على النفط؟

اعتماد العراق على صادرات النفط عبر ممر واحد فاقم أثر اضطراب الشحن في الخليج، وأعاد تسليط الضوء على هشاشة بنيته التصديرية أمام الصدمات الإقليمية.

صدر الصورة، Getty Images

كشف اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز اعتماد العراق الكبير على عائدات النفط، التي تشكّل نحو 90 في المئة من موازنة الدولة.

وبحسب وزارة النفط العراقية، انخفض إجمالي صادرات البلاد النفطية إلى نحو 9.9 ملايين برميل في أبريل/نيسان، مقارنة بـ18.6 مليون برميل في مارس/آذار، و99.9 مليون برميل في فبراير/شباط، و107.6 ملايين برميل في يناير/كانون الثاني.

وكان التراجع أكثر حدة في الصادرات من محافظة البصرة الجنوبية عبر الخليج.

فقد انخفضت صادرات البصرة بنحو 68.5 في المئة في أبريل/نيسان إلى 4.6 ملايين برميل، مقارنة بـ14.6 مليون برميل في مارس/آذار. وكانت الصادرات قد بلغت 93.3 مليون برميل في فبراير/شباط و101.2 مليون برميل في يناير/كانون الثاني.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

على الرغم من الارتفاع الحاد في أسعار النفط عقب اندلاع حرب إيران في 28 فبراير/شباط، أدى التراجع الكبير في حجم الصادرات إلى خفض عائدات العراق خلال الأشهر الأخيرة.

وبلغت عائدات العراق النفطية في أبريل/نيسان نحو 1.1 مليار دولار، بانخفاض قدره نحو 42 في المئة من 1.9 مليار دولار في مارس/آذار، وبتراجع حاد بلغ نحو 84 في المئة من 6.8 مليارات دولار في فبراير/شباط. وبلغ متوسط سعر البرميل 110 دولارات في أبريل/نيسان، مقارنة بـ105.2 دولارات في مارس/آذار، و68.2 دولاراً في فبراير/شباط، و60.3 دولاراً في يناير/كانون الثاني.

وفي العام الماضي، بلغت عائدات العراق من النفط والموارد المعدنية 108.4 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل 82.8 مليار دولار، وشكّلت نحو 87.3 في المئة من إجمالي إيرادات البلاد.

وما زاد الوضع تفاقماً اعتماد العراق الكبير على ممر تصدير واحد، هو محطات النفط الجنوبية في البصرة، التي تصل إلى الخليج عبر مضيق هرمز.

وقد وصف اقتصاديون عراقيون منذ فترة طويلة هذا الاعتماد بأنه نقطة ضعف استراتيجية، فيما عزز الانخفاض في صادرات النفط الناجم عن الأزمة التحذيرات من أن العراق يفتقر إلى بنية تحتية مرنة للتصدير قادرة على الصمود أمام الصدمات الإقليمية.

كيف أثرت الاضطرابات في إمدادات الغاز الإيراني على العراق؟

منظر عام لمصفاة نهر بن عمر في البصرة، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 45 ألف برميل من النفط الخام يومياً و1,800 برميل من المكثفات، ضمن مشروع يهدف إلى دمج الغاز المستخرج من حقل بن عمر في منظومة غاز شمال الرميلة وتعزيز إمدادات الطاقة في العراق.

صدر الصورة، Getty Images

أثرت حرب إيران على العراق بطريقة مختلفة لكنها بالقدر نفسه من الخطورة، إذ أدت الاضطرابات في إمدادات الغاز الإيراني اللازمة لمحطات الطاقة إلى تأثير كبير على توليد الكهرباء في البلاد.

وفي أوائل مايو/أيار، أدرج المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية، أحمد موسى، توقف إمدادات الغاز الطبيعي الإيراني وإغلاق مضيق هرمز ضمن أبرز التحديات التي تواجه قطاع الكهرباء في العراق.

وكان موسى قد أعلن في مارس/آذار أن إمدادات الغاز الإيراني توقفت بالكامل عقب ضربة استهدفت حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران.

وخلال مقابلة في الشهر نفسه، قال إن إمدادات الغاز الطبيعي الإيراني كانت تشكّل 30 في المئة من الوقود الذي يستخدمه العراق لتوليد 8 آلاف ميغاواط من الكهرباء.

وأشار موسى أيضاً إلى أن العراق يستخدم الغاز الطبيعي لتشغيل ثلثي محطات الكهرباء لديه.

وفي مارس/آذار 2024، وقّع العراق اتفاقاً مع إيران لتأمين 50 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتوليد الكهرباء على مدى خمس سنوات.

ما الضغوط الاقتصادية التي كان العراق يواجهها أصلاً؟

مع انخفاض عائدات النفط وارتفاع كلفة الرواتب والرعاية الاجتماعية، يواجه العراق تحديات مالية متزايدة تكشف هشاشة اعتماده شبه الكامل على الإيرادات النفطية.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، أزمة النفط والإنفاق العام تضاعف الضغوط على الاقتصاد العراقي، وسط تراجع حاد في العائدات واتساع الحاجة إلى خطط طوارئ مالية.

أضاف الانخفاض الحاد في عائدات النفط أعباءً جديدة إلى الضغوط الاقتصادية القائمة في العراق. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 وحدها، بلغ الإنفاق على رواتب القطاع العام وبرامج الرعاية الاجتماعية 21.9 تريليون دينار، أي ما يعادل 16.7 مليار دولار.

وبحسب تقرير لوزارة المالية، شكّل ذلك نحو 84.5 في المئة من إجمالي إنفاق البلاد بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، والذي بلغ 25.9 تريليون دينار، أي ما يعادل 19.8 مليار دولار.

وفي المقابل، بلغ إجمالي إيرادات العراق خلال الفترة نفسها 25.3 تريليون دينار، أي ما يعادل 19.3 مليار دولار، ما يشير إلى عجز قدره نحو 658.4 مليار دينار، أي ما يعادل 503 ملايين دولار.

وبلغ إجمالي الإنفاق في عام 2025 نحو 119.2 تريليون دينار، أي ما يعادل 91 مليار دولار، بما في ذلك نحو 89.1 تريليون دينار، أي ما يعادل 68.1 مليار دولار، خُصصت لرواتب القطاع العام وبرامج الرعاية الاجتماعية.

وفي حديث إلى موقع "بغداد اليوم" المملوك للقطاع الخاص في 21 مايو/أيار، حذّر الاقتصادي رشيد المصرفي من أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العراقي ستكون "خطيرة وحرجة"، وستصبح "أكثر وضوحاً" خلال الأشهر المقبلة.

وقال المصرفي إن العراق أكثر هشاشة من دول الخليج بسبب اعتماده شبه الكامل على عائدات النفط. وأضاف أن التطورات الأخيرة أبرزت حاجة العراق إلى إعادة النظر في خياراته لتصدير النفط، بما في ذلك عبر مسارات تمر بالأردن أو سوريا، أو توسيع وصلات خطوط الأنابيب مع تركيا.

وفي 22 مايو/أيار، نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية عن مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء، قوله إن وزارة المالية تعد خطة طوارئ تشمل الاقتراض الداخلي والخارجي، إلى جانب إجراءات تهدف إلى زيادة الإيرادات غير النفطية عبر الضرائب والرسوم والإصلاحات المالية، لمعالجة فجوة تمويل شهرية تُقدّر بنحو 9.5 مليارات دولار.