كيف تتحكم درجة الحرارة في مواعيد نومنا؟

سيدة نائمة في سرير رافعة يدها حول رأسها
    • Author, أماندا روجيري
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

يرى بعض العلماء أن درجة الحرارة قد تعادل نفس أهمية الضوء في تنظيم الساعات البيولوجية اليومية للجسم.

ولا يزال عالم الأنثروبولوجيا، غاندي يتيش، حتى يومنا هذا، يستحضر طقس الاستعداد للنوم الذي اعتاد ممارسته في طفولته خلال فصول الشتاء القارسة في ولاية نيوجيرسي، إذ كان يفتح نافذته، سامحاً للهواء شديد البرودة بالانسياب إلى الداخل وتبريد وجهه، وسرعان ما كان يغلبه النعاس، وإن ظل يتساءل عما قد تقوله والدته بشأن فاتورة التدفئة.

وتشير أدلة إلى أن يتيش تنبّه إلى أمر مهم، فمن عمق النوم الذي نحظى به إلى مدى شعورنا بالانتعاش بعد الاستيقاظ، تسهم درجة الحرارة بدور بالغ التأثير في جودة ما نشعر به من راحة ليلية، بل إن بعض العلماء يذهبون إلى أبعد من ذلك، ويقولون إن درجة الحرارة قد تعادل نفس أهمية الضوء في تحديد توقيت النوم.

ونستعرض فيما يلي ما نعرفه في هذا الشأن.

دفء الشمس

سيدة نائمة وتسقط عليها أشعة الشمس من إحدى نوافذ الغرفة
التعليق على الصورة، يوجد إجماع علمي منذ وقت طويل على أن التعرض للضوء يمثل أهم الإشارات البيئية المؤثرة في النوم

اعتقد يتيش، على مدى سنوات، أن تفضيله النوم في أماكن باردة ليس سوى سمة شخصية خاصة به، بيد أنه، أثناء إجرائه دراسات بشأن أنماط النوم لدى الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات غير صناعية، قضى فترة من الوقت مع شعب التسيماني، وهم جماعة من السكان الأصليين في منطقة الأمازون البوليفية.

كان يتيش مدركاً تماماً للإجماع العلمي المستقر منذ زمن طويل، والقائل بأن التعرض للضوء يمثل أهم الإشارات البيئية المؤثرة في النوم، بيد أنه لاحظ أن أفراد شعب التسيماني يذهبون عادة إلى النوم بعد غروب الشمس بساعات، ويستيقظون قبل شروقها، على الرغم من عدم توافر الكهرباء لديهم لاستخدام الإضاءة الاصطناعية، وقضائهم معظم أوقات النهار في الهواء الطلق.

وفي مرحلة لاحقة، أجرى يتيش وفريق من زملائه الباحثين المنتمين إلى جامعات مختلفة في الولايات المتحدة دراسة لأنماط النوم لدى جماعتين أخريين من السكان الأصليين، هما شعب الهادزا في شمال تنزانيا وشعب السان في جنوب أفريقيا، ورصد الباحثون أن مواعيد نوم أفراد هاتين الجماعتين لم تكن متوافقة هي الأخرى مع دورات تعاقب الضوء والظلام، وبدلاً من ذلك، بدا أن هذه المواعيد تتبع التغيرات في درجة حرارة البيئة المحيطة، ارتفاعاً وانخفاضاً.

ويقول يتيش: "نعتقد أن السبب في أهمية غروب الشمس وشروقها هو الضوء، حسناً، إن درجة الحرارة تأتي أيضاً من الشمس".

انخفاض درجة الحرارة استعداداً للنوم

سيدة نائمة وتضم يدها أسفل وجهها
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

تُظهر أدلة كثيرة على مدى عقود أن درجة حرارة الجسم الأساسية تبدأ في الانخفاض عندما نبدأ الاسترخاء والتهيؤ للنوم، وبالنسبة إلى معظم الناس، يستمر هذا الانخفاض خلال جزء كبير من الليل، إذ تتراجع درجة الحرارة عادة بنحو درجة مئوية واحدة، من ذروتها نهاراً إلى أدنى مستوياتها ليلاً.

ويفسّر ذلك سبب معاناة أشخاص، في كثير من الأحيان، من قصر مدة النوم وزيادة اضطرابه عندما لا تكون درجة حرارة الغرفة منخفضة بما يكفي، وفقاً لسيباستيان هيربيرغر، الطبيب والباحث المتخصص في طب النوم بالمركز متعدد التخصصات لطب النوم في برلين.

ويقول: "من المرجح أن يكون كل من سبق له النوم في غرفة فندقية شديدة الحرارة على دراية بهذه التأثيرات".

وفي دراسة نُشرت عام 2007، عمد باحثون إلى تغيير درجة حرارة الغرفة التي ينام فيها المشاركون بهدف دراسة آثارها، وخضعت المجموعة لترتيبين مختلفين لظروف النوم، في التجربة الأولى، أُتيح للمشاركين النوم في غرفة تنخفض درجة حرارتها من 27 درجة مئوية إلى 24 درجة مئوية، وخلال الفترة الممتدة من الساعة 18:00 إلى الساعة 22:00، ثم ترتفع تدريجياً إلى 27 درجة مئوية بين الساعة 3:00 والساعة 7:00، قبل أن تستقر عند 27 درجة مئوية طوال النهار.

وصُمّم هذا النظام لمحاكاة الارتفاع والانخفاض الطبيعيين في درجة حرارة البيئة المحيطة خلال الليل، أما في التجربة الثانية، فقد نام المشاركون في غرفة ظلت درجة حرارتها ثابتة عند 27 درجة مئوية.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين ناموا في ظل درجات حرارة متقلبة سجلوا مستويات أعلى خلال الليل لأحد المؤشرات الحيوية المرتبطة بهرمون الميلاتونين، مقارنة بأولئك الذين ناموا في درجة حرارة ثابتة بلغت 27 درجة مئوية، والميلاتونين هو هرمون ينتجه الجسم بصورة طبيعية، ويزداد إفرازه مع اقتراب موعد النوم، ويبلغ ذروته عادة في منتصف الليل، وتتمثل وظيفته في إرسال إشارات إلى الجسم لحثّه على الاسترخاء والتهيؤ للنوم.

كما أفاد أفراد المجموعة نفسها بأنهم شعروا بانتعاش أكبر عند الاستيقاظ، وافترض الباحثون أن التطور البشري قد هيّأنا لنحظى بنوم أعمق تحت تأثير التقلبات الطبيعية في درجات الحرارة عند الغسق والفجر.

وعلى الرغم من ذلك، لم يتضح بعد مقدار الانخفاض المثالي في درجة الحرارة اللازم للاستغراق في النوم، كما لا يزال مدى تأثير درجة الحرارة في ساعاتنا البيولوجية ومواعيد نومنا محل نقاش بين العلماء.

ضبط ساعاتنا الداخلية

سيدة تضع يدها فوق منبه أسود اللون
التعليق على الصورة، درجة حرارة غرفة النوم قد تسهم في ضبط الساعات البيولوجية للجسم.

من التساؤلات التي يثيرها الارتباط المحتمل بين درجة الحرارة والنوم، ما إذا كانت درجة الحرارة تسهم في ضبط ساعات الجسم الداخلية، وإلى أي مدى يمكنها ذلك.

جدير بالذكر أن هذه الساعات تعمل على تنسيق ما يُعرف باسم "الإيقاعات اليومية"، وهي دورات من التغيرات العقلية والجسدية والسلوكية التي تحدث خلال كل فترة زمنية مدتها 24 ساعة، وتشمل هذه الإيقاعات مختلف وظائفنا وأنشطتنا، بدءاً من مواعيد النوم ووصولاً إلى مواعيد تناول الطعام، ويُعتقد تقليدياً أن الإيقاعات اليومية تتحدد بصورة أساسية بفعل تعرض الجسم للضوء.

ويقول راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب المتعلق بالإيقاعات اليومية في جامعة أكسفورد، ومؤلف كتاب "زمن الحياة"، إن الإيقاع اليومي للجسم هو العامل الأساسي المسؤول عن انخفاض درجة حرارة الجسم في الفترة التي تسبق النوم.

بيد أن فوستر يوضح أن درجة الحرارة قد لا تكون مجرد عامل يتأثر بالساعات البيولوجية للجسم، بل قد تمثل أيضاً مُدخلاً إضافياً يسهم في تشكيل هذه الساعات، ويقول: "لا نعرف ما الذي تفعله درجة الحرارة فعلياً، من حيث دورها وعملها كإشارة لأنظمة النوم".

وأتاحت التجارب على الحيوانات بعض الأدلة التي تدعم فرضية أن درجة الحرارة قد تؤدي، في حد ذاتها، دوراً في ضبط الساعات البيولوجية للجسم.

وخلصت دراسات إلى إمكانية ضبط الإيقاعات اليومية لدى مجموعة متنوعة من الأنواع، من ذباب الفاكهة إلى الجمال، بالاعتماد حصراً على دورات التغير في درجات الحرارة، كما استطاع العلماء أيضاً ضبط الساعات الداخلية للخلايا البشرية من خلال محاكاة التقلبات في درجات حرارة الجسم.

ولا يمكن بالضرورة تعميم نتائج الدراسات التي تُجرى على الحيوانات والخلايا على البشر في ظروف حياتهم الواقعية، كما أن التحقق مما إذا كانت درجة الحرارة تؤدي بالفعل دوراً محورياً في ضبط الساعة البيولوجية لدى الإنسان يُعد أمراً بالغ الصعوبة، فعلى سبيل المثال، إذا واجه شخص ما صعوبة أكبر في النوم في درجات الحرارة المرتفعة، فقد لا تكون هذه الصعوبة مرتبطة بإيقاعه اليومي على الإطلاق، بل قد تُعزى بدلاً من ذلك إلى متطلبات فسيولوجية لجسمه لازمة لتحقيق الاسترخاء.

بيد أن نتائج بعض الدراسات المحدودة تشير إلى احتمال وجود تأثيرات تتجاوز ذلك، ففي دراسة أُجريت عام 1974، عدّل المشاركون درجة حرارة غرفهم بانخفاض قدره نحو 6 درجات مئوية أثناء النوم مقارنة بفترات اليقظة، وأدى هذا التغيير إلى إطالة دورات النوم واليقظة لديهم بنحو 23 دقيقة، الأمر الذي دفع الباحثين إلى الإشارة إلى أن "تأثير درجة الحرارة يشبه إلى حد بعيد تأثير الضوء" من حيث التحكم في الإيقاعات اليومية لدى الإنسان.

كما خلصت دراسة، أُجريت عام 2007، إلى أن خفض درجة حرارة البيئة المحيطة ثم رفعها يؤثر أيضاً في درجة حرارة الجسم الداخلية لدى المشاركين، ويعد توقيت بلوغ درجة حرارة الجسم أدنى مستوياتها مؤشراً على المرحلة التي وصل إليها الجسم ضمن إيقاعه اليومي، وقد بلغ المشاركون الذين تعرضوا لتقلبات حرارية هذه المرحلة الدنيا في وقت مبكر بنحو ساعة واحدة خلال الليل، في المتوسط، مقارنة بالفترة التي ظلت فيها درجة حرارة الغرفة ثابتة، ويشير ذلك إلى أن درجة حرارة غرفة النوم قد تسهم في ضبط الساعات البيولوجية للجسم.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى إجراء مزيد من الدراسات.

ويرى كريستيان كايوشين، اختصاصي علم الزمن الحيوي في جامعة بازل، أن درجة الحرارة قد تسهم في تعديل إيقاعاتنا اليومية، لكنه يشير إلى أن عدداً قليلاً جداً من التجارب تناولت هذه القضية، وبناء على ذلك، يقول: "من وجهة نظري، لا تمثل درجة الحرارة، في الوقت الراهن، بديلاً جديداً للضوء" فيما يتعلق بضبط ساعات الجسم البيولوجية.

تأثير درجة الحرارة الفعلية في نومنا

رجل نائم ويضع يده اليمنى أسفل الوسادة

عندما يتعلق الأمر بدور درجة الحرارة في النوم، فإن ما يزيد الأمور تعقيداً هو أن النوم عملية فسيولوجية متعددة الأبعاد.

ويتحكم نظامان أساسيان في توقيت شعورنا بالنعاس وشدته، أولهما نظام آلية تنظيم الحاجة إلى النوم، الذي يعني أن الحاجة إلى النوم تزداد كلما طالت فترة اليقظة، أما النظام الثاني فهو الإيقاع اليومي، الذي يتألف من مجموعة من الساعات البيولوجية في الجسم، وهي تتولى تحديد أوقات الشعور بالنعاس وأوقات اليقظة والانتباه.

ويوجد نظام ثالث يؤدي دوراً مؤثراً أيضاً، وهو "نظام تعزيز الاستثارة واليقظة"، الذي يستطيع، في ظروف معينة، تجاوز تأثير النظامين الآخرين والحفاظ على حالة اليقظة، وهذا ما يفسر احتمال أن يدفعك إنذار الحريق إلى مغادرة سريرك، حتى لو انطلق في الساعة الثالثة صباحاً.

وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة جميعها مترابطة، يعترف يتيش بأن أنماط النوم التي درسها لدى شعوب التسيماني والسان والهادزا ربما كانت ناتجة عن إحدى هذه العمليات الأخرى.

وأشرف جيروم سيغل، عالم الأعصاب ومدير مركز أبحاث النوم بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، على دراسات متعلقة بهذه الجماعات من السكان الأصليين، ويقول: "أعتقد أن درجة الحرارة أكثر أهمية من الضوء"، ومن وجهة نظره، تترتب على ذلك تداعيات واسعة النطاق على الصحة في العالم الحديث.

فعلى سبيل المثال، يرى أن نزعتنا إلى العيش في منازل تحافظ على درجة حرارة ثابتة ليلاً ونهاراً قد تسهم في مشكلات النوم التي يعاني منها الناس في المجتمعات الحديثة، ويشمل ذلك الارتفاع الكبير في معدلات الأرق المسجّلة في المجتمعات الصناعية مقارنة بالمجتمعات غير الصناعية.

وعندما درس الباحثون مدى انتشار الأرق بين شعبي التسيماني والسان، وجدوا أن الجماعتين لا تملكان كلمة في لغتهما تعبّر عن هذه الحالة.

ويقول سيغل: "ببساطة نحن لا نعيش في البيئة التي تطورنا من أجل أن نعيش فيها".

ولا تزال الدراسات جارية لتحديد أفضل طريقة لاستخدام درجة الحرارة بغية تحسين النوم، بيد أنه في الوقت الراهن، قد يكون فتح النافذة ليلاً، كما كان يفعل ييتيش، تجربة جديرة بالمحاولة.