قرش شبح وإسفنجة مفترسة... اكتشاف أكثر من ألف كائن بحري جديد خلال عام

    • Author, صوفي عبدالله
    • Role, خدمة بي بي سي العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

اكتشف علماء في مبادرة "إحصاء المحيطات"، وهي مبادرة عالمية للبحث عن كائنات جديدة في البحار والمحيطات، أكثر من 1,100 نوع بحري جديد خلال العام الماضي.

ومن بين هذه الكائنات قرش شبح يعيش في أعماق البحر، ودودة ذات شعيرات تعيش داخل ما يشبه "قصراً زجاجياً"، إضافة إلى سرطانات بحر وقنافذ بحر وشقائق نعمان.

لكن التقديرات تشير إلى أن نحو 90 في المئة من الكائنات البحرية لم تكتشف بعد.

وقال أوليفر ستيدز، مدير مبادرة "إحصاء المحيطات" Ocean Census، لبي بي سي: "هذه الاكتشافات ليست سوى نقطة في بحر".

وأضاف: "يعتقد أن المحيطات تضم ما يصل إلى مليوني نوع، ولم نكتشف حتى الآن أكثر من 250 ألفاً".

وقالت الدكتورة ميشيل تايلور، رئيسة قسم العلوم في المبادرة لبي بي سي إن العثور على أنواع جديدة أمر يحدث "بوتيرة منتظمة إلى حد ما" عند استكشاف مناطق لم يصل إليها العلماء من قبل، خصوصاً مع استخدام تقنيات حديثة.

وتضيف أن الاكتشافات لا تقتصر على المناطق النائية أو المجهولة، بل تحدث أيضاً في أماكن قد "نفترض أنها مدروسة جيداً". وتشير إلى اكتشاف نوع جديد من الروبيان قبالة سواحل مرسيليا في فرنسا، ورخوي "غير مألوف على الإطلاق" قبالة السواحل البريطانية.

وسجّلت مبادرة نيبون فاونديشن-نكتون لإحصاء المحيطات (The Nippon Foundation-Nekton Ocean Census)، خلال العام الماضي، أكبر عدد من الاكتشافات الجديدة في فترة 12 شهراً منذ انطلاقها. وتعد هذه المبادرة، التي تدخل عامها الثالث، أكبر مشروع عالمي لتسريع استكشاف البحار والمحيطات.

وفي المجموع، كشف عن 1,121 نوعاً لم يكن معروفاً من قبل، مقارنة بـ866 نوعاً في العام السابق.

شاركت فرق دولية في 13 رحلة استكشافية إلى بعض أقسى مناطق العالم وأقلها استكشافاً، من اليابان وبحر المرجان قبالة سواحل أستراليا، إلى بابوا غينيا الجديدة وجزر ساندويتش الجنوبية في جنوب المحيط الأطلسي والقارة القطبية الجنوبية.

ووصلت الفرق إلى أعماق كبيرة بلغت 6,575 متراً، أي عمق يتجاوز ارتفاع مخيم قاعدة إيفرست في نيبال.

لكن العمل في هذه البيئات شديدة القسوة ليس سهلاً.

فمتوسط عمق المحيط يبلغ نحو 3,682 متراً. وكلما نزلنا أكثر، ازداد الضغط. وبحسب الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، يزيد الضغط بما يعادل ضغطاً جوياً واحداً مع كل 10 أمتار تقريباً من العمق.

فكيف تستطيع الكائنات البحرية العيش هناك؟

تقول تايلور: "لقد تطورت هذه الكائنات لتعيش في تلك الأعماق. فتركيب خلاياها، وأنسجتها، والطريقة التي ترتبط بها هذه الأنسجة، كلها تكيفت مع ذلك الضغط. لذلك لا تشعر به كأنه ضغط، بل كأنه بيئتها الطبيعية، تماماً كما نشعر نحن بالراحة على اليابسة".

دودة في "قصر زجاجي"

ومن بين الكائنات التي حُددت حديثاً دودة "القصر الزجاجي"، واسمها العلمي Dalhousiella yabukii.

وهي نوع جديد من الديدان البحرية ذات الشعيرات، اكتُشف على عمق 791 متراً قبالة سواحل اليابان.

وعثر على هذه الدودة داخل إسفنجة زجاجية، لها هيكل شبه شفاف مصنوع من جسيمات بنيوية تشبه الزجاج وتتكوّن من السيليكا؛ المادة المستخدمة في صناعة الزجاج.

ووصفت هذه الدودة بأنها تعيش داخل الإسفنجة في علاقة تكافلية، أي أن كلاً منهما يستفيد من الآخر.

وتوضح تايلور: "غالباً ما تستطيع الديدان عديدة الأشواك إبعاد مفترسات أخرى. وأحياناً تكون لها أجزاء فموية حادة جداً، صدقوا أو لا تصدقوا. هي صغيرة، لكنها شرسة. لذلك يمكن أن توفر نوعاً من الحماية، كأنها حارسة صغيرة تبقى معك طوال الوقت".

وتضيف: "الإسفنج كائن مهم جداً للشعاب المرجانية. فلديه خلايا صغيرة تضخ الماء وتحركه داخل جسمه، فيرشّح منه المواد الغذائية والعناصر المفيدة، ويساعد على إبقاء الماء في حركة مستمرة".

"كرة الموت"

في خندق جزر ساندويتش الجنوبية، في جنوب المحيط الأطلسي، اكتشف نوع جديد من الإسفنج على عمق يزيد على 3,600 متر، لكنه يختلف عن معظم أنواع الإسفنج المعروفة.

فمعظم الإسفنج يتغذى عبر ترشيح الماء من حوله، أما هذا النوع الجديد فيتصرف كمفترس.

وتستخدم الإسفنجة خطاطيف صغيرة تعمل كالأشرطة اللاصقة، فتلتقط القشريات التي تنجرف مع التيار.

وبعد أن تعلق الفريسة بها، تبدأ الإسفنجة في الإحاطة بها تدريجياً ثم تحليلها. ووصف علماء مبادرة Ocean Census هذا السلوك بأنه "تكيف تطوري لافت مع بيئة أعماق المحيط، حيث يُعَدُّ الغذاء نادراً".

القرش الشبح

وعثر أيضاً على نوع جديد من "قرش الشبح" في بحر المرجان، خلال رحلة استكشافية عام 2025.

ويقول ستيدز: "تعد قروش الشبح، المعروفة علمياً باسم الخرافيات، من أكثر الكائنات غموضاً في المحيطات. وهي من الأقارب البعيدة للقرش والشفنين (نوع من الأسماك الغضروفية البحرية المفلطحة)، وقد انفصل خطها التطوري عنها قبل نحو 400 مليون عام، أي قبل ظهور الديناصورات".

وتقول تايلور إن هذه الكائنات تبدو "شبحية فعلاً" عندما يصادفها العلماء. وتضيف: "لها عيون كبيرة جداً، وغالباً ما تنساب أمام كاميرات أعماق البحار بطريقة غريبة ومخيفة بعض الشيء".

الدودة الشريطية

وحدد الباحثون أيضاً نوعاً جديداً من الديدان الشريطية في تيمور الشرقية، في جنوب شرق آسيا.

ويقول ستيدز: "لهذه الدودة أهمية طبية حيوية كبيرة، بسبب ألوانها والتفاعلات الكيميائية التي تنتجها. فهي تفرز سموماً فريدة، يدرسها العلماء حالياً لمعرفة ما إذا كان يمكن استخدامها في تطوير علاجات محتملة لمرضي آلزهايمر والفصام".

وتوضح الدكتورة سفيتلانا ماسلاكوفا، الأستاذة المشاركة في معهد علم الأحياء البحرية بجامعة أوريغون، أن تحليل الشيفرة الوراثية غالباً ما يكون الطريقة الوحيدة الموثوقة للتأكد مما إذا كانت الدودة الشريطية تنتمي إلى نوع جديد، لأن كثيراً من هذه الديدان تبدو شبه متطابقة.

وتقول: "ألوانها اللافتة ليست موجودة لكي تثير إعجابنا، بل من المرجح أنها تحذير للمفترسات التي تعتمد على النظر، مثل الأسماك".

وقد قدّمت ماسلاكوفا أكثر من 100 نوع جديد إلى مبادرة Ocean Census. وتقول: "ما الذي يمكن أن تقدمه لنا هذه الأنواع المئة المكتشفة حديثاً؟ وكم نوعاً آخر لا يزال بانتظار الاكتشاف؟ أقول إن هناك آلافاً من الديدان الشريطية وحدها".

"سباق مع الزمن"

ويعمل العلماء في سباق مع الوقت لاكتشاف أنواع بحرية مهددة بالانقراض.

ويحذرون من أن المحيطات تواجه بالفعل ضغوطاً متزايدة، فثاني أكسيد الكربون قد يترك أثراً كبيراً على المحيطات، التي أصبحت أكثر حموضة بنسبة 30 في المئة خلال المئتي عام الماضية.

ويقول ستيدز: "إذا بلغ الاحترار درجتين مئويتين، فقد يؤدي ذلك إلى تدمير 99 في المئة من شعابنا المرجانية. وهذه الشعاب هي المصنع الحيوي، أو المحرك، الذي يعيش فيه 25 في المئة من التنوع البيولوجي البحري".

ويضيف: "نحن في سباق مع الزمن لاكتشاف الأنواع التي تعيش في المحيطات. فكثير من الأنواع تُدمّر قبل أن نعرف حتى بوجودها. ومن الصعب جداً حماية ما لا نعرف أنه موجود".

ويمثل الصيد مشكلة أخرى، ويقول ستيدز: "عندما نتحدث عن التنوع البيولوجي، فإن أكثر ما نفعله ضرراً وتدميراً، وبأثر مباشر، مرتبط بالصيد، ولا سيما الصيد غير المستدام، وغير المنظم، وكذلك الصيد غير القانوني".

الاكتشافات مستمرة

تهدف منصة "نوفا"، التابعة لمبادرة Ocean Census والمتاحة للجميع، إلى تقليص الفجوة بين العثور على أنواع جديدة وبين توثيقها علمياً.

وتتيح المنصة للخبراء رفع المعلومات التي جمعوها، حتى لا تضيع إذا تقاعدوا، أو توفوا، قبل نشر نتائجهم.

لكن آلاف الأنواع الجديدة التي عثر عليها لا تزال، بحسب تايلور، في "منطقة علمية معلّقة": فهي معروفة للباحثين، لكنها لم تنشر رسمياً بعد.

وتوضح أن المدة بين اكتشاف نوع جديد ونشر وصف علمي رسمي له تبلغ في المتوسط 13 عاماً ونصف العام. وتضيف: "أما بالنسبة إلى الإسفنج، فقد يستغرق الأمر بين 20 و24 عاماً، لأن عدد الخبراء المتخصصين في تصنيفه قليل جداً".

وهذا يعني أن كثيراً من الباحثين يعرفون بوجود أنواع جديدة، لكنهم لم يتمكّنوا بعد من نشرها علمياً. لذلك لا يمكن الاعتماد عليها في قرارات حماية البيئة.

ويقول ستيدز إن هذه الاكتشافات مهمة لأن العلماء ما زالوا لا يملكون صورة كاملة عن الحياة على الأرض، مع أن هذه المعرفة ضرورية "لحماية الحياة واستدامتها وفهمها".

ويضيف إن عملهم يؤثّر اليوم في الكوكب على نطاق واسع، بينما لا يزال "90 في المئة من سجلنا البيولوجي" غير مكتمل.